مع اقتراب انطلاق دور الانعقاد الثاني لمجلس النواب، يعود ملف الأحزاب السياسية إلى طاولة التشريع، لكن هذه المرة من بوابة حزب العدل، الذي أعلن استعداده لتقديم مشروع قانون جديد لنظام الأحزاب السياسية ضمن خمسة مشروعات قال إنها جاهزة للطرح أمام المجلس مع بداية الدور الجديد.
المشروع يأتي في وقت لا يزال فيه الإطار القانوني المنظم للحياة الحزبية قائمًا على قانون نظام الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977، بينما تطرح الممارسة السياسية أسئلة متكررة حول قدرة التشريعات الحالية على تنظيم تأسيس الأحزاب، وضمان استقلالها، وتنظيم مواردها، وتعزيز فاعليتها في الحياة العامة.
وبمحاولة «القصة» للوقوف على تفاصيل مشروع قانون نظام الأحزاب السياسية، أوضح النائب محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب، أن الحزب سيكشف عن مشروعاته التشريعية تباعًا، مشيرًا إلى أن مشروع قانون الأحزاب يأتي ضمن المشروعات التي سيُعلن عنها لاحقًا ولكن سيطرح خلال دور الانعقاد الآتي”.
وليس مشروع قانون الأحزاب الذي يعتزم حزب العدل طرحه أمام مجلس النواب جديدًا على أجندة الحزب؛ ففي فبراير 2023، تقدم النائب عبد المنعم إمام، رئيس الحزب، بمشروع قانون مقترح لنظام الأحزاب السياسية، مستندًا إلى مواد الدستور الخاصة بالتعددية السياسية والحزبية وحرية تكوين الأحزاب. وطرح المشروع حينها عددًا من التغييرات، من بينها استحداث «مفوضية لشؤون الأحزاب» بدلًا من لجنة شؤون الأحزاب، وتنظيم تمويل الأحزاب، وإتاحة إنشاء المواقع الإلكترونية والصحف الحزبية، وتيسير اندماج الأحزاب، إلى جانب وضع قواعد أكثر تفصيلًا للرقابة على التمويل والشفافية.
وفي ظل الحديث عن قانون جديد للأحزاب السياسية، تبرز أسئلة تتجاوز حدود النصوص القانونية إلى واقع الحياة الحزبية نفسها: هل تكمن أزمة الأحزاب في القواعد التي تنظم عملها، أم في قدرتها على ممارسة دورها السياسي؟ ولماذا تراجع حضورها في الشارع والمجال العام؟ وما الذي تحتاجه لتستعيد دورها كأداة للمشاركة والتعبير السياسي؟
قال الباحث والأكاديمي الدكتور كمال مغيث في تصريحات سابقة لـ«القصة» إن الأحزاب السياسية لم تعد تؤدي دورها الحقيقي في المشهد الحالي، موضحًا أن الحزب في الأصل تجمع لمواطنين مهتمين بالشأن العام، ينظرون إلى مشكلات وأولويات الوطن من زوايا مختلفة ويطرحون حلولًا وبرامج، بما يخلق تنوعًا أيديولوجيًا وسياسيًا. واستعرض مغيث ثلاث مراحل رئيسية مرت بها الحياة الحزبية في مصر؛ بدأت بعد ثورة 1919، ثم مرحلة ثورة يوليو التي غابت خلالها الأحزاب وحلت محلها التنظيمات السياسية، وصولًا إلى عهد الرئيس أنور السادات الذي شهد عودة التعددية الحزبية منذ عام 1976، ثم ظهور أحزاب جديدة بعد ثورة يناير، إلى جانب أحزاب قال إنها «مصنوعة» من السلطة وتؤدي، بحسب وصفه، دورًا شكليًا في المشهد السياسي.
وأضاف مغيث أن «الحصار السياسي» يحد من قدرة الأحزاب على ممارسة أنشطتها والتواصل مع المواطنين وتنظيم الفعاليات الجماهيرية، معتبرًا أن ذلك أضعف الحياة الحزبية وأدى إلى عزوف الشباب عن المشاركة.
وطالب برفع يد السلطة عن الحياة السياسية، ووضع قانون لتنظيمها من خلال لجنة دستورية وقانونية وطنية، مع السماح بمختلف أشكال النشاط والأفكار السياسية، باستثناء ما يدعو إلى العنصرية أو التمييز على أساس العرق أو الدين أو اللون، أو يحرض على الكراهية والعنف.
قال فريد زهران، رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، في تصريحات سابقة لـ«القصة» إن تراجع الحياة الحزبية يرتبط بالمناخ السياسي العام أكثر من ارتباطه بقدرة الأحزاب أو رغبتها في العمل، معتبرًا أن «كرة الأحزاب في ملعب الدولة»، وأن استعادة دورها تتطلب فتح المجال أمامها للتواصل مع المواطنين وممارسة أنشطتها بحرية.
وأضاف أن مصر تعيش، من وجهة نظره، «مناخًا سياسيًا موحشًا ومسارًا سياسيًا متراجعًا»، مطالبًا بتحويل توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تنشيط الحياة الحزبية إلى خطوات عملية، تبدأ بتوفير الأمان للمشاركين في العمل العام وإنهاء ملف المحبوسين على ذمة قضايا الرأي.
وأكد زهران أن استعادة ثقة المواطنين، خصوصًا الشباب، في الأحزاب لن تتحقق إلا بتمكينها من ممارسة دورها على الأرض والتواصل المباشر مع المجتمع، مشيرًا إلى أن تراجع النشاط السياسي لم يقتصر على الأحزاب، بل امتد إلى مساحات كانت تاريخيًا حاضنة للعمل العام، مثل الجامعات والمصانع.
ولفت إلى أن تعزيز المشاركة السياسية يرتبط بقرارات تتخذها الدولة، من بينها فتح المجال أمام الأحزاب وإجراء انتخابات المجالس المحلية، بما يوفر للمواطنين مساحة آمنة للانخراط في العمل العام.
وقال الدكتور رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر وأستاذ العلوم السياسية، إن تنشيط الحياة الحزبية يتطلب أحزابًا أكثر حضورًا وقدرة على التواصل مع المواطنين، خاصة مع الاستحقاقات المقبلة ومنها انتخابات المجالس المحلية.
وأوضح أن ضعف الانتشار الميداني، وقلة الاحتكاك المباشر بالمواطنين، ومحدودية إعداد الكوادر، أسهمت في تراجع أداء بعض الأحزاب وانعكس ذلك على تفاعل المواطنين مع العمل الحزبي، مؤكدًا أن استعادة الثقة تحتاج إلى وجود فعلي في الشارع، والاستماع إلى المشكلات وطرح حلول واقعية، إلى جانب إعداد كوادر سياسية وشبابية قادرة على العمل العام.
وأضاف فرحات أن الأحزاب لا تحتاج إلى تغيير كامل بقدر حاجتها إلى تطوير برامجها وآليات عملها بما يتناسب مع المتغيرات وتطلعات الشباب، والاستفادة من أدوات التواصل الحديثة.
وأشار إلى أن حزب المؤتمر يركز خلال المرحلة المقبلة على توسيع قاعدته التنظيمية بالمحافظات، وتأهيل كوادر جديدة، وتعزيز مشاركة الشباب والمرأة، والاستعداد لانتخابات المجالس المحلية، معتبرًا أن تنشيط الحياة الحزبية مسؤولية مشتركة بين الدولة والأحزاب والمجتمع.