في تصعيد جديد يتجاوز السجال التقليدي حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، فتحت أديس أبابا مواجهة سياسية وفنية وقانونية جديدة مع القاهرة، عقب إعلانها الرسمي عن تشكيل لجنة الوطنية لحصر ما تصفه بـ “الخسائر الاقتصادية والتنموية” والمشروعات المائية التي تزعم أن مصر تسببت في تعطيلها، والتي أحصت حتى الآن أكثر من 22 مشروعاً مائياً وتنموياً بينها سد النهضة.
ولم تقف التصريحات الإثيوبية عند حصر التعويضات، بل امتدت لتعلن رسمياً استكمال بناء سد كبير على نهر “ميجيش” لأغراض الري و إمدادات المياه، حيث جدد وزير المياه والطاقة الإثيوبي تأكيد بلاده على عدم حاجتها لموافقة مصر لإنشاء مشروعات ترى أديس أبابا أنها لا تسبب “ضرراً بليغاً”، متمسكة بحقها السيادي في تطوير مواردها المائية وفق مبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول”.
ويأتي هذا التصعيد الإثيوبي المتزامن عقب أيام قليلة من قمة العلمين الرباعية، التي صاغ فيها إعلان العلمين المشترك موقفاً جماعياً صارماً يرفض الإجراءات الأحادية التي تضر بالاستخدامات المائية القائمة لمصر والسودان، ويؤكد الالتزام بقواعد الإخطار والتشاور والتوافق المسبق وفق القانون الدولي للأنهار العابرة للحدود.
التقييم التراكمي للمشروعات هو القلق الفني الحقيقي لمصر
وفي تقييم فني وهيدرولوجي لأبعاد المشروعات الجديدة، قال الدكتور هاني رضوان، الخبير الفني والهيدرولوجي، لـ “القصة”، إن الإجابة عن أثر أي سد جديد في إثيوبيا على مصر والسودان لا تتوقف من الناحية الفنية عند اسم المشروع أو سعته التخزينية فقط، و إنما يجب النظر إلى موقعه على شبكة الأنهار، وحجم التصريف السنوي، والسعة التخزينية، والغرض من إنشائه، والأهم طريقة تشغيله.
وأوضح رضوان أنه بالنسبة للمشروعات الجديدة التي تتحدث عنها إثيوبيا، فإن وجود سد جديد لا يعني تلقائياً أنه سيؤدي إلى نقص مباشر في المياه التي تصل إلى مصر؛ لكون التأثير يعتمد بصورة أساسية على حجم المياه التي سيجري حجزها، وفترة الملء، ونمط التشغيل، وما إذا كان المشروع مخصصاً لتوليد الكهرباء أم للري والاستخدامات الأخرى.
غير أنه لفت في المقابل إلى أنه لا ينبغي النظر إلى كل مشروع بمعزل عن المشروعات الأخرى؛ فإذا اتجهت إثيوبيا إلى تنفيذ عدد كبير من السدود والمنشآت المائية على روافد النيل، فإن تقييم التأثير يجب أن يأخذ في الاعتبار الأثر التراكمي لهذه المشروعات، وليس تأثير كل سد منفرد فقط.
وأكد الخبير الهيدرولوجي على أهمية البيانات الفنية؛ إذ لا يمكن إعطاء تقدير دقيق لتأثير سد “ميجيش” أو غيره من المشروعات الجديدة على مصر والسودان دون معرفة التصميم النهائي للمشروع، وسعة التخزين، وحجم التدفقات التي سيجري التحكم فيها، ونظام التشغيل، وما إذا كان الهدف الأساسي هو الري أم توليد الكهرباء.
وأشار رضوان إلى أن سد النهضة يعد حالة مختلفة من حيث الحجم والموقع والأهمية بالنسبة لمنظومة النيل الأزرق، ولذلك فإن مقارنة أي سد جديد به مباشرة قد تكون مضللة فنياً، مشدداً على أن ما يستحق المتابعة هو اتجاه السياسة المائية الإثيوبية ككل، وليس مشروعاً واحداً فقط.
وأضاف أنه إذا أصبحت هناك مجموعة متزايدة من المشروعات التي تنظم أو تستخدم جزءًا من مياه الأنهار العابرة للحدود، فإن السؤال يتحول من تأثير سد واحد إلى كيفية إدارة الحوض المائي بالكامل، ومدى وجود تنسيق بين دول المنبع والمصب بشأن تشغيل هذه المشروعات.
واختتم هاني رضوان حديثه بالإشارة إلى أن استخدام إثيوبيا لمبدأ الاستخدام المنصف والمعقول هو مسألة قانونية وسياسية بالدرجة الأولى، بينما من الناحية الفنية يجب أولاً معرفة حجم الاستخدام المائي لكل مشروع وتأثيره المحتمل على التدفقات؛ إذ لا يمكن القول إن مشروعاً ما ضار أو غير ضار اعتماداً على المبدأ القانوني وحده دون بيانات هيدرولوجية، مؤكداً أن القلق الحقيقي بالنسبة لمصر لا يرتبط بالضرورة بسد “ميجيش” وحده، و إنما بما إذا كان هذا المشروع يمثل بداية سلسلة من مشروعات التحكم المائي التي يكون لها مجتمعة تأثير تراكمي أكبر على منظومة النيل.
لا سيادة مطلقة على مجرى دولي
من جانبه، أورد البروفيسور عامر فاخوري، أستاذ القانون الدولي العام “للقصة”، تفنيداً قانونياً شاملاً للمواقف والادعاءات الإثيوبية؛ حيث أكد في النقطة الأولى أن الطرح الإثيوبي يحتاج إلى تصحيح قانوني واضح.
وأوضح فاخوري أنه لا خلاف على أن إثيوبيا تتمتع بحق في التنمية وفي الاستخدام المنصف والمعقول لمياه النيل، ولكن هذا المبدأ لا يعطيها حقاً مطلقا في إقامة ما تشاء من سدود ومشروعات مائية ثم وضع دول المصب أمام أمر واقع.
وشدد أستاذ القانون الدولي العام على أن نهر النيل مجرى مائي دولي مشترك، وبالتالي فإن إثيوبيا لا تمارس سيادة مطلقة على المياه التي تعبر أراضيها؛ فالقانون الدولي يقوم هنا على فكرة أساسية وهي أن حقوق دولة المنبع تقابلها حقوق قانونية لدول المصب. ولذلك فإن مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول لا يمكن فصله عن واجب التعاون، وتبادل المعلومات، والعناية الواجبة لمنع الضرر ذي الشأن، وكذلك تقييم الآثار العابرة للحدود والإخطار والتشاور عندما يكون المشروع المزمع تنفيذه قادراً على إحداث آثار سلبية كبيرة.
ولفت فاخوري إلى أن الموقف المصري يمتلك أساساً قانونياً مهماً؛ فمصر لا تطالب بمنع إثيوبيا من التنمية، و إنما تطالب بألا تتم التنمية الإثيوبية على حساب الحقوق المائية والأمن المائي لدولة أخرى، وهو فارق جوهري لا يجيز قانوناً تحويل حق التنمية إلى مبرر للانفراد بإدارة مورد دولي مشترك. بل إن إعلان مبادئ سد النهضة لعام 2015، الذي وقعت عليه إثيوبيا نفسها، لم يتحدث فقط عن الاستخدام المنصف والمعقول، و إنما تضمن أيضاً مبادئ التعاون، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، وتبادل المعلومات والبيانات؛ وبالتالي لا يصح قانوناً انتقاء مبدأ واحد من هذه المنظومة وإهمال بقية الالتزامات.
أما فيما يتعلق بالحديث الإثيوبي عن مطالبة مصر بتعويضات عن تعطيل أكثر من 22 مشروعاً، أكد البروفيسور فاخوري أن الموقف القانوني هنا أكثر وضوحاً لمصلحة مصر؛ لمجرد أن تشكيل لجنة إثيوبية وحساب ما يسمى “الخسائر التنموية” لا ينشئ ديناً على مصر ولا يرتب عليها مسؤولية دولية.
وأوضح أنه إذا أرادت إثيوبيا تحويل هذا الكلام إلى مطالبة قانونية بالتعويض، فعليها أن تجيب أولاً عن سؤال أساسي: ما هو الفعل الدولي غير المشروع الذي ارتكبته مصر؟ وما هو الالتزام الدولي الذي انتهكته تحديداً؟
وأشار فاخوري إلى أنه إذا كانت مصر قد استخدمت الوسائل الدبلوماسية والقانونية، واعترضت على مشروعات ترى أنها قد تهدد أمنها المائي، وطالبت بالإخطار والتشاور واحترام حقوقها، فإن ممارسة هذه الوسائل لا تشكل في ذاتها فعلاً دولياً غير مشروع، ومن ثم لا يمكن أن يكون مجرد الاعتراض المصري أساساً تلقائياً للمسؤولية والتعويض.
واختتم أستاذ القانون الدولي العام حديثه بالقول إنه حتى لو أثبتت إثيوبيا أنها خسرت بالفعل فرصاً اقتصادية، فهذا وحده غير كاف؛ إذ يتوجب عليها إثبات وجود فعل مصري مخالف للقانون الدولي، وضرر حقيقي ومثبت، وعلاقة سببية مباشرة بين هذا الفعل وذاك الضرر، وهي شروط أساسية في قانون مسؤولية الدول، جازماً بأن مصر ليست مسؤولة قانوناً عن تعويض إثيوبيا لمجرد دفاعها بالوسائل القانونية والدبلوماسية عن أمنها المائي.