سؤال يبدو للوهلة الأولى بسيطًا، لكنه في الحقيقة من نوع الأسئلة التي تحتاج إلى قدر من التدقيق؛ لأن الإجابة تختلف باختلاف المقصود بـ«الإدارة»: هل نتحدث عن الاختصاص القانوني؟ أم الإدارة التنفيذية للمؤسسات؟ أم التنسيق بين أجهزة الدولة؟ أم عن دوائر صناعة الرؤية والتوجه العام للخطاب الإعلامي؟
والحقيقة أن الإعلام المصري لا يُدار اليوم من مؤسسة واحدة، ولا يوجد شخص واحد يمكن اختزاله في عبارة «وزير الإعلام»، كما كان الحال في مراحل سابقة. وإنما تعمل المنظومة من خلال مجموعة من المؤسسات والدوائر، لكل منها اختصاص محدد، مع وجود مساحة للتنسيق والتداخل بينها.
الرئاسة.. دائرة التوجيه الأعلى
في قمة الهرم السياسي للدولة تأتي مؤسسة الرئاسة باعتبارها المرجعية الأعلى، خصوصًا في الملفات التي ترتبط بالتوجهات العامة للدولة والسياسات الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو 2024 قرارًا بتعيين اللواء محسن محمود علي عبد النبي مستشارًا لرئيس الجمهورية للإعلام، كما عيّن في اليوم نفسه المستشار عمر الخطاب مروان مديرًا لمكتب رئيس الجمهورية. والقرار الرئاسي الرسمي يثبت شغل كل منهما للموقعين عند صدوره.
وتكمن أهمية منصب مستشار رئيس الجمهورية للإعلام في أنه يقع داخل دائرة الرئاسة نفسها، لكنه لا يعني – من الناحية القانونية – أن صاحبه يرأس المؤسسات الإعلامية أو يحل محل الهيئات المنصوص عليها في الدستور والقانون.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين الموقع داخل مؤسسة الرئاسة وبين الإدارة التنفيذية للمؤسسات الإعلامية؛ فلكل منهما طبيعة مختلفة.
أما مدير مكتب رئيس الجمهورية، فيتولى مهمة إدارية داخل مؤسسة الرئاسة، ولا يمثل في حد ذاته منصبًا تنفيذيًا لإدارة الإعلام. وبالتالي، فإن إدراج اسم عمر مروان في خريطة صناعة القرار الرئاسي شيء، واعتباره مسؤولًا عن إدارة المؤسسات الإعلامية شيء آخر.
وزارة الدولة للإعلام.. تنسيق لا إدارة تنفيذية
على المستوى الحكومي، عاد منصب وزير الدولة للإعلام، ويتولى الكاتب الصحفي ضياء رشوان المهمة.
وهنا تأتي نقطة مهمة كثيرًا ما يحدث بشأنها خلط في توصيف المشهد.
فوزارة الدولة للإعلام ليست الجهة التي تدير بشكل مباشر الصحف القومية أو قنوات وإذاعات الدولة. وقد أوضح رشوان في فبراير 2026 أن الوزارة ليست جهة تنفيذية، وأن الأدوار التنفيذية تتولاها الهيئة الوطنية للصحافة في مجال الصحافة القومية، والهيئة الوطنية للإعلام في المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة، بينما يختص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالجانب التنظيمي.
لكن هذا لا يعني أن دور الوزارة هامشي.
فخلال عام 2026، تحولت الوزارة إلى نقطة تنسيق مهمة بين الحكومة والهيئات الإعلامية ووسائل الإعلام، بما في ذلك التنسيق مع المتحدثين والمستشارين الإعلاميين بالوزارات لضمان تدفق المعلومات والبيانات إلى وسائل الإعلام.
كما التقى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بوزير الدولة للإعلام في يوليو 2026 لبحث آليات تنفيذ التكليفات الرئاسية الخاصة بالإعلام، ومن بينها فتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي، والتنسيق بين الوزارة والهيئات الإعلامية والصحفية، والإعداد لعقد اجتماع سنوي للإعلام المصري تحت رعاية رئيس الجمهورية.
وهنا يتضح الفرق بين إدارة المؤسسات وإدارة السياسات والتنسيق الإعلامي.
المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.. الجهة التنظيمية
في المستوى الآخر من المنظومة يأتي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي يرأسه المهندس خالد عبد العزيز.
وقد صدر القرار الجمهوري رقم 518 لسنة 2024 بتشكيل المجلس لمدة أربع سنوات برئاسته.
وظيفة المجلس مختلفة عن وظيفة وزارة الدولة للإعلام؛ فهو الجهة المعنية بالتنظيم والرقابة المهنية والقانونية في نطاق اختصاصه، ومن بين أدواره إصدار التراخيص ومتابعة الالتزام بالقواعد المنظمة للعمل الإعلامي وتطبيق القوانين ذات الصلة، وفق التوصيف الذي أعلنته وزارة الدولة للإعلام.
وفي 2026، لم يقتصر نشاط المجلس على التنظيم بالمعنى التقليدي، بل أصبح أيضًا طرفًا أساسيًا في عملية تطوير المنظومة الإعلامية؛ إذ ترأس خالد عبد العزيز اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري، التي عملت على إعداد توصيات لرفعها إلى رئيس مجلس الوزراء تمهيدًا لعرضها على رئيس الجمهورية.
وهذا التطور مهم؛ لأنه يضيف إلى المجلس دورًا في صياغة رؤى تطوير المنظومة إلى جانب دوره التنظيمي.
الهيئة الوطنية للإعلام.. إدارة الإعلام الرسمي
أما الهيئة الوطنية للإعلام، فهي المسؤولة عن إدارة المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة، وفي مقدمتها قطاعات ماسبيرو.
ويرأس الهيئة حاليًا الإعلامي أحمد المسلماني، وفقًا للتشكيل الصادر بقرار جمهوري في 2024، وهو ما تؤكده أيضًا أنشطة الهيئة المنشورة خلال 2026.
وبالتالي، إذا كان السؤال هو: من يدير مؤسسات الإعلام المملوكة للدولة تنفيذيًا؟ فإن الإجابة تقترب من الهيئة الوطنية للإعلام ورئيسها، وليس من وزير الدولة للإعلام.
الهيئة الوطنية للصحافة.. إدارة الصحافة القومية
وفي الجانب الصحفي، تتولى الهيئة الوطنية للصحافة إدارة المؤسسات الصحفية القومية.
ويرأسها المهندس عبد الصادق الشوربجي، وفق القرار الجمهوري رقم 519 لسنة 2024 الذي شكّل الهيئة لمدة أربع سنوات برئاسته. كما ظل الشوربجي رئيسًا للهيئة خلال 2026.
وبذلك تصبح الخريطة أكثر وضوحًا:
الهيئة الوطنية للإعلام تدير المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة، بينما الهيئة الوطنية للصحافة تدير المؤسسات الصحفية القومية، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يؤدي الدور التنظيمي، في حين تضطلع وزارة الدولة للإعلام بدور يتعلق بالسياسات والتنسيق الحكومي والإعلامي.
إذن.. من يدير الإعلام المصري؟
هنا نصل إلى جوهر السؤال.
إذا كان المقصود بالإدارة هو الإدارة القانونية والتنفيذية المباشرة، فلا توجد إجابة واحدة؛ لأن الاختصاص موزع بين مؤسسات متعددة.
أما إذا كان المقصود هو صناعة الرؤية العامة والتوجهات الاستراتيجية للإعلام الرسمي، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا؛ لأن الرئاسة تدخل بوصفها مركز القرار السياسي الأعلى، بينما تتحرك الوزارة والهيئات والمجلس، كلٌّ في نطاق اختصاصه.
والدليل على أهمية هذا المستوى من التنسيق أن التكليفات الرئاسية للحكومة في فبراير 2026 تضمنت التأكيد على أهمية إعلام وطني قادر على الوصول إلى مختلف مكونات المجتمع، وتقديم خطاب مهني مسؤول، وتعزيز الوعي العام ومواجهة الشائعات.
كما أن الرئيس السيسي دعا في 2026 إلى عقد اجتماع سنوي للإعلام المصري تحت رعايته لمناقشة أوضاع الإعلام وتحدياته والخروج بتوصيات لتطويره، وهو ما يكشف أن ملف تطوير الإعلام أصبح مطروحًا بصورة مباشرة على مستوى الرئاسة، وليس مجرد ملف إداري داخل إحدى الهيئات.
مركز الثقل ليس بالضرورة هو صاحب القرار التنفيذي
وهنا يجب التمييز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان: الاختصاص القانوني ومركز الثقل السياسي.
فليس بالضرورة أن يكون المسؤول الذي يملك صلاحية قانونية محددة هو نفسه صاحب التأثير الأكبر في تشكيل الاتجاه العام.
ولهذا فإن السؤال «من يدير الإعلام المصري؟» قد يكون أقل دقة من سؤال آخر:
كيف تُصنع القرارات والتوجهات الإعلامية في مصر؟
والإجابة عن هذا السؤال تكشف شبكة متعددة المستويات: رئاسة الجمهورية بوصفها مركز القرار السياسي الأعلى، ووزارة الدولة للإعلام بوصفها حلقة للتنسيق والسياسات الإعلامية الحكومية، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بوصفه الجهة التنظيمية، والهيئة الوطنية للإعلام بوصفها المسؤولة عن مؤسسات الإعلام التابعة للدولة، والهيئة الوطنية للصحافة بوصفها المسؤولة عن الصحافة القومية.
ولا ينبغي كذلك إغفال أن هذه المؤسسات لا تعمل في جزر منفصلة؛ فالاجتماعات والتنسيقات المشتركة التي شهدها عام 2026 تعكس وجود محاولة لإيجاد قدر أكبر من التكامل بين مكونات المنظومة.
الاختبار الحقيقي.. الجمهور
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو: من يجلس في أي مكتب؟
الأهم هو: ماذا تنتج هذه المنظومة؟
فكثرة المؤسسات وتعدد المسؤولين لا تعني بالضرورة نجاحًا إعلاميًا، كما أن وضوح الهيكل الإداري لا يكفي وحده لصناعة إعلام قادر على المنافسة.
الاختبار الحقيقي هو قدرة المنظومة على إنتاج إعلام مهني، سريع، دقيق، قادر على التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، ومنافس لسرعة انتشار المعلومات والشائعات.
والأهم من ذلك كله: استعادة ثقة الجمهور.
فالإعلام الذي يريد أن يدافع عن الدولة لا يكفيه أن يتحدث باسمها، وإنما يحتاج إلى أن يقدم للمواطن المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب، وأن يتيح مساحة حقيقية للنقاش، وأن يفرّق بين الدفاع عن المصلحة الوطنية وبين تكرار الرسائل الرسمية.
ولهذا فإن «الوقوف على الحقيقة» لا ينبغي أن يبقى مجرد شعار صحفي؛ بل يجب أن يصبح معيارًا حقيقيًا للحكم على نجاح منظومة الإعلام المصرية.
وعندها فقط يمكن أن يصبح السؤال عن «من يدير الإعلام؟» أقل أهمية من السؤال الأهم:
هل تنجح هذه المنظومة في بناء إعلام يثق به المواطن ويستطيع أن ينافس في عصر أصبحت فيه المعلومة أسرع من أي مؤسسة؟