يُمثّل السيد أحمد البدوي نموذجًا كلاسيكيًا للشخصية الخلافية التي تتباين قراءتها بتباين المناهج؛ فالرؤية السلفية تُقيّمه من زاوية «الظاهر الفقهي»، حيث تُنسب إليه في بعض التراجم سلوكيات مستغربة، كالمكوث الدائم على السطح، أو ترك صلاة الجماعة، وغياب أي مصنف علمي له. في المقابل، يراه الفضاء الصوفي قطبًا مستغرقًا في الحال، ووارثًا للمدد النبوي.
سؤال البقاء والاستمرار
منطق التاريخ يفترض أن «الزاهد المنعزل» يموت ذكره بموته؛ فمن أين استمد البدوي هذا الذيوع والقبول الشعبي الهائل، الذي تجاوز ثمانية قرون؟ هل كانت المكاشفات والكرامات وحدها كافية لتفسير هذا الامتداد، أم أن هناك أسبابًا اجتماعية ومؤسسية وراء بقائه؟
قاعدة «الشيخ يصنعه مريدوه»
تُثبت القراءة التحليلية أن السر الأول في خلود ذكر البدوي يكمن في دائرته الأولى، وتحديدًا تلميذه ووارث سره، الشيخ عبد العال. كان عبد العال رجلًا من وجهاء المنطقة، ذا وعي تنظيمي؛ فكان بمثابة «اللسان الفصيح» لحال الشيخ الصامت، والوسيط بينه وبين الناس، وهو الذي أسس المقام لاحقًا، وأرسى نظام الزيارة والمولد، ونقل الصورة من إطار «الدرويش المنعزل» إلى «القطب المربي».
التحكيم العقلي والنقدي للرواية التاريخية
إن العقل النقدي لا يقبل الروايات الشاذة التي تُصوّر السيد أحمد البدوي وكأنه رجل غائب عن وعيه، أو تارك لفروضه وشرائع دينه، كما يروّج بعض خصومه. لو كان الرجل كذلك، لما انقادت له القلوب عبر ثمانية قرون، ولما صمد ذكره أمام تمحيص أئمة أعلام عاصروه أو جاءوا بعده. الرجل كان له «سر روحي وحال زاهد»، عرف قدره واستوعبه تلميذه الأبرز، الشيخ عبد العال.
دلالة زيارة الظاهر بيبرس
تذكر المصادر التاريخية أن الظاهر بيبرس كان كثير التردد على طنطا، وأنه جاء إلى السيد البدوي، بعد أن شاع خبره وكثر أتباعه، لمعرفة ما إذا كان صاحب مشروع ثورة أم مصلحًا زاهدًا، والتقى به وحاوره. ولهذه الزيارة دلالة لا بد من مراعاتها في الميزان النقدي واستخلاص الحكم العلمي.
فحاكم عسكري داهية وشديد اليقظة، كالسلطان الظاهر بيبرس، لا ينخدع برجل خرافة، ولا ينزل لزيارة شخص لا يملك وزنًا حقيقيًا. زيارة بيبرس للبدوي وصعوده إليه تُثبت أن الرجل كانت له هيبة روحية ونزاهة سياسية باهرة؛ فسلطان المماليك رأى فيه زاهدًا مخلصًا لا يطلب دنيا، فانقلب حذره الأمني إلى توقير صادق، مما منح الولي حماية ورعاية، ومنح السلطان قبولًا ورضًا في أوساط حاضنة الدلتا الشعبية.
ومن باب الأمانة العلمية، لا بد من الإشارة إلى أن تفاصيل الحوار وما دار على السطح، من تقبيل بيبرس ليد السيد البدوي وبشارة الشيخ له بالنصر، إنما وصلتنا عبر روايات محبيه وتلامذته، كالشيخ عبد العال، ومصنفات الطريقة، وهي روايات قد تتداخل فيها عاطفة التعظيم والميل الروحي.
غير أن النظر العلمي والتحقيق التاريخي المحايد يؤكدان أن الزاوية الأحمدية في طنطا حظيت برعاية خاصة ودعم وأوقاف ملموسة في عصر بيبرس وخلفائه، وهو دعم رسمي لا يمكن أن يصدر في دولة مركزية صارمة إلا بتوجيه سلطاني مباشر ورضا شخصي من بيبرس نفسه، بعدما اطمأن إلى حال الشيخ وزهده التام في السلطة؛ فتحول الحذر الأمني إلى حلف غير معلن: أمان ورعاية للمقام والأتباع، وشرعية وقبول شعبي للسلطان في عمق ريف مصر.
الفصل الحاسم بين «مكانة الولي» و«مخالفات المقام»
الإنصاف والغيرة على الشرع يقتضيان التمييز الجذري بين شخص السيد البدوي وما يقع اليوم في محيط ضريحه ومولده.
فالشرع حاكم على كل أحد، ولا يمكن إقرار مظاهر الاختلاط المبتذل، أو الرقص المصاحب للموالد، أو البدع القولية والفعلية المنافية لسمت الشريعة وقواعدها، ولا يرضى أي ولي صالح بأن يُتخذ قبره مسرحًا لمخالفة أمر الله ورسوله ﷺ.
الإنكار الواعي
يجب إنكار المنكرات والبدع الشرعية بأدب وحزم، دون أن يجرنا ذلك إلى جحود مكانة الرجل أو الطعن في ولايته وزهده.
التجربة الروحية وأثر «آل البيت»
القبول الذي وضعه الله للسيد البدوي يجد تفسيره في «التجربة والوجدان»؛ فزيارة مقامه ومقامات الصالحين من آل البيت النبوي عمومًا ترتبط عند قاصديها بشعور نفسي بالسكينة، وانشراح الصدر، وتجليات جمالية تفيض بها تلك البقاع، وهو ما يفسر تعلق العامة بهم كأبواب للمودة في القربى التي أوصى بها القرآن الكريم.
أثر الشيخ في هوية المكان وأهله
من أبلغ الأدلة على رسوخ أثر السيد البدوي صبغته للمدينة كلها؛ فأهل طنطا ومحيطها يحملون أثره في أسمائهم وأنسابهم، فتجد اسم «السيد» هو الغالب تيمّنًا به، أو ينتسبون إلى المدينة بلقب «الطنطاوي»، الذي ارتبط في الذاكرة الإسلامية بجهابذة من العلماء والفقهاء والأدباء الذين نُسبوا إلى هذه البقعة المباركة التي استقر فيها البدوي.
كلمة أخيرة
العاقل المنصف هو من يُعطي كل ذي حق حقه؛ يُثبت للبدوي قدره وقطبانيته التي شهدت لها قرائن التاريخ وأحوال القلوب، ويقف في الوقت ذاته عند حدود الشريعة، رافضًا كل غلو ومخالفة؛ فالشريعة هي الميزان، والأولياء إنما نالوا منازلهم باتباعها، لا بمخالفتها.