تتصاعد المخاوف من اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، عقب حادثة إطلاق النار في الخليل، وما تبعها من تهديدات إسرائيلية بتنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق، في تطور يعيد إلى الواجهة التساؤلات بشأن أهداف حكومة بنيامين نتنياهو من تصعيدها الميداني، ومدى ارتباط هذه التحركات بمخططات فرض واقع جديد على الأراضي الفلسطينية.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات بشأن طبيعة الرد الإسرائيلي المرتقب، وانعكاساته على الأوضاع الإنسانية والأمنية في الخليل وبقية مدن الضفة الغربية، لا سيما في ظل استمرار الاقتحامات والاستيطان وتزايد المخاوف من إجراءات قد تدفع الفلسطينيين إلى النزوح من مناطقهم.
الاحتلال يتحمل مسؤولية تصاعد المواجهة
قال الدكتور نعمان توفيق العابد، الخبير في الشؤون الفلسطينية، إن الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الأساسية عن إراقة الدماء من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، في ظل سياسات الحكومة اليمينية المتطرفة التي تقوم على زيادة الضغط على الشعب الفلسطيني، والاستيلاء على أراضيه، وتكثيف الاقتحامات، وتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية، وإضعاف أي أمل في الوصول إلى الأمن والسلام.
وأضاف العابد أن استمرار الاحتلال ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية، إلى جانب طرح أفكار التهجير، يدفع نحو مزيد من الاحتقان، مشيرًا إلى أن اللجوء المستمر إلى الحل العسكري لا يضمن تحقيق الأمن، بل قد يؤدي إلى ردود فعل متصاعدة في مواجهة الإجراءات الإسرائيلية.
وأوضح أن وقوع عمليات مسلحة أو حوادث أمنية لا يعني أن الحل العسكري وحده قادر على منع تكرارها، مؤكدًا أن استمرار الضغط والحصار والتضييق على الفلسطينيين يزيد من احتمالات المواجهة.
وأشار إلى أن الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية يواجهون ظروفًا تهدد أمنهم الشخصي ووجودهم على أرضهم، محذرًا من أن دفع السكان إلى فقدان الأمل في مستقبلهم لن يؤدي إلى تحقيق الاستقرار، بل سيعمق الأزمة.
حسابات نتنياهو الانتخابية وراء التصعيد
وفيما يتعلق بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس الاستعداد لعملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية، رأى العابد أن التحركات الإسرائيلية تحمل بُعدين متداخلين؛ أولهما يرتبط بأفكار اليمين المتطرف بشأن حسم الصراع بالقوة العسكرية، وثانيهما يتعلق بالحسابات السياسية والانتخابية للأحزاب الإسرائيلية.
أوضح أن نتنياهو والقوى اليمينية المتطرفة قد يستغلون أي حادثة أمنية لتبرير توسيع العمليات العسكرية وتقديمها باعتبارها ردًا على تهديدات أمنية، بينما تتجاوز أهدافهم، بحسب تقديره، التعامل مع الحادثة ذاتها إلى محاولة فرض ترتيبات جديدة على الأرض الفلسطينية.
وأضاف أن الضفة الغربية تشهد عمليات عسكرية إسرائيلية متواصلة منذ تشكيل الحكومة الحالية، حتى قبل السابع من أكتوبر، معتبرًا أن التهديد بعملية واسعة لا يمكن فصله عن مسار التصعيد المستمر والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.
ولفت الخبير الفلسطيني إلى أن إخفاق الإجراءات العسكرية في تحقيق الأمن يمثل، من وجهة نظره، فشلًا في النهج الذي تتبناه الحكومة الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن العمليات في قطاع غزة والضفة الغربية لم تحقق الأهداف التي تسعى إليها الحكومة بشأن إخضاع الفلسطينيين أو إنهاء تطلعاتهم الوطنية.
الخليل أمام احتمالات العقاب الجماعي والنزوح
وحذر العابد من أن مدينة الخليل قد تواجه إجراءات عسكرية مشددة، تشمل إغلاق مناطق واسعة، وتنفيذ اقتحامات واعتقالات، واحتمال وقوع عمليات اغتيال أو هدم منازل في المناطق المرتبطة بمنفذي حادثة إطلاق النار.
وأوضح أن مثل هذه الإجراءات لا تقتصر آثارها على الأشخاص المستهدفين، بل تمتد إلى السكان المدنيين، من خلال تعطيل الحياة اليومية، وتقييد الحركة، والإضرار بالنشاط التجاري، وزيادة الضغوط الاقتصادية والإنسانية على المدينة.
وأضاف أن هدم المنازل وفرض القيود على السكان قد يؤديان إلى نزوح عائلات من مناطقها، بما يفاقم معاناة الفلسطينيين ويمهد، وفق تقديره، لسياسات تهدف إلى دفعهم تدريجيًا إلى مغادرة أراضيهم.
وأشار إلى أن مخاوف الفلسطينيين لا تتعلق فقط بالعملية العسكرية المرتقبة، وإنما أيضًا بإمكانية تحول الإجراءات الاستثنائية إلى واقع دائم، في ظل تصريحات إسرائيلية بشأن التهجير والتضييق على التجمعات الفلسطينية.
وفي قراءته للأهداف الإسرائيلية بعيدة المدى، قال العابد إن ما يجري يرتبط بما يُعرف بخطة «الحسم»، التي تقوم على دفع الفلسطينيين إلى الاختيار بين القبول بالاحتلال دون تطلعات سياسية وطنية، أو مغادرة وطنهم، أو مواجهة إجراءات عسكرية وأمنية متصاعدة إذا رفضوا الخيارين.
وأوضح أن هذا التصور، بحسب قراءته، يهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وتقليص فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة، عبر توسيع الاستيطان والاستيلاء على مساحات إضافية من الأراضي، وإنشاء مستوطنات وطرق التفافية تفصل التجمعات الفلسطينية بعضها عن بعض.
وأضاف أن الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية والقيود المفروضة على الحركة قد تؤدي إلى تحويل المدن والبلدات الفلسطينية إلى تجمعات جغرافية معزولة، تفتقر إلى التواصل الجغرافي الطبيعي، وتصبح حركة سكانها مرتبطة بالتصاريح والإجراءات الإسرائيلية.
كما حذر من أن هذا المسار قد يترافق مع محاولات لإضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية أو إنهاء دورها السياسي والإداري، في ظل مواقف معلنة لوزراء من اليمين المتطرف تدعو إلى إنهاء وجودها وتقويض تطلعات الفلسطينيين إلى تقرير المصير.
وأكد أن فرض هذا الواقع لا يستهدف الفلسطينيين على المستوى الأمني فحسب، بل يمتد إلى مستقبلهم السياسي والجغرافي، بما يهدد إمكانية التوصل إلى تسوية قائمة على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
اتساع المواجهة مرهون بمسار التصعيد
وفي ختام حديثه، شدد العابد على أن استمرار السياسات الإسرائيلية الحالية قد يؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، ليس في الأراضي الفلسطينية وحدها، وإنما في المنطقة بأكملها، محذرًا من أن استمرار التهجير والضغط على الفلسطينيين لن ينهي تطلعاتهم إلى العودة والحرية وتقرير المصير.
وأشار إلى أن تداعيات التهجير المحتمل لن تقتصر على الفلسطينيين، بل قد تمتد إلى دول الجوار، وفي مقدمتها الأردن، بما يحمله ذلك من تحديات ديموغرافية واقتصادية وأمنية.
ودعا المجتمعين الإقليمي والدولي إلى ممارسة ضغوط جدية لوقف السياسات الإسرائيلية التي تستهدف الأراضي والسكان الفلسطينيين، والعمل على إعادة المسار السياسي إلى واجهة الأحداث، من خلال التفاوض والالتزام بالشرعية الدولية وضمان الحقوق الوطنية الفلسطينية.
واختتم بالتأكيد أن استمرار السماح بفرض وقائع جديدة بالقوة لن يحقق الأمن والسلام، بل سيبقي الصراع مفتوحًا، ويزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية عادلة ومستدامة.