في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، يعود الخيار العسكري إلى واجهة المشهد مع تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام قنبلة «أم القنابل»، بالتزامن مع استعراض طهران لقدراتها العسكرية والتأكيد على جاهزيتها لمواجهة أي هجوم محتمل، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن طبيعة الخطوات الأمريكية المقبلة، وما إذا كانت التهديدات تستهدف ممارسة مزيد من الضغوط على القيادة الإيرانية لدفعها إلى تقديم تنازلات، أم تمثل تمهيدًا لمرحلة جديدة من المواجهة.
ولا تنفصل هذه الحسابات عن الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في نوفمبر 2026، إذ يواجه ترامب معادلة تجمع بين إظهار القوة العسكرية الأمريكية وتجنب الانخراط في حرب طويلة قد تترتب عليها خسائر بشرية واقتصادية وتداعيات سياسية داخلية. وفي المقابل، تمتلك إيران أدوات للرد قد تتجاوز حدود المواجهة المباشرة، بما يثير مخاوف من اتساع نطاق الصراع إقليميًا. فهل تدفع الحسابات الانتخابية واشنطن إلى تأجيل الحرب، أم أن التصعيد قد يتحول إلى وسيلة لإعادة رسم قواعد الاشتباك وموازين القوى في المنطقة؟
«أم القنابل».. ضغط سياسي أم تمهيد لضربة عسكرية؟
يرى الدكتور علاء السعيد، الخبير في الشؤون الإيرانية، أن تلويح ترامب باستخدام قنبلة «أم القنابل» يأتي في إطار سياسة الضغط الأقصى على إيران، ومحاولة دفع القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات دون الحاجة إلى خوض حرب شاملة، مشيرًا إلى أن الرسالة الأمريكية تتمثل في أن الخيارات العسكرية لا تزال مطروحة، وأن واشنطن مستعدة لاستخدام أسلحة شديدة التدمير إذا فشلت الوسائل السياسية.
وأضاف السعيد أن استخدام هذا السلاح لا يعني بالضرورة القدرة على حسم المواجهة، إذ يرتبط تأثيره بطبيعة الأهداف المستهدفة، كما أنه ليس مصممًا لتدمير جميع أنواع المنشآت المحصنة تحت الأرض.
وأشار إلى أن ترامب يحاول توظيف التفوق العسكري الأمريكي للحصول على نتائج سياسية سريعة، لكن احتمالات تنفيذ ضربة فعلية تظل قائمة إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، أو رأت واشنطن أن التهديد وحده لم يعد كافيًا.
وفي السياق نفسه، يوضح اللواء نصر سالم، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن قنبلة «أم القنابل»، المعروفة باسم GBU-43/B، سلاح تقليدي ضخم وليس قنبلة نووية، ويتميز بتأثير تدميري واسع، لكنه ليس مصممًا أساسًا لاختراق أعمق التحصينات الموجودة تحت الأرض.
وأضاف سالم أن تدمير هدف عسكري كبير يختلف عن تدمير منشأة نووية تقع على عمق كبير تحت الأرض، مؤكدًا أن استخدام هذه القنبلة لا يعني بالضرورة تدمير المنشآت النووية الإيرانية.
ولفت إلى أن التلويح باستخدامها قد يكون جزءًا من محاولة الضغط على طهران وإظهار القوة الأمريكية، وليس بالضرورة إعلانًا عن اقتراب ضربة عسكرية.
موازين القوة.. التفوق الأمريكي وقدرة إيران على الرد
وعن القدرات العسكرية الإيرانية، يرى السعيد أن الاستعراضات العسكرية التي تنفذها طهران تستهدف بالدرجة الأولى طمأنة الداخل الإيراني، وإظهار قدرة المؤسسة العسكرية على مواصلة العمل رغم الضغوط والضربات التي تعرضت لها.
وأوضح أن إيران تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة يمكن أن تتسبب في خسائر مؤثرة، لكنها تواجه نقاط ضعف في سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي، فضلًا عن الفارق التكنولوجي الكبير بينها وبين الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن امتلاك ترسانة صاروخية لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها بكامل طاقتها أثناء الحرب، في ظل احتمالات استهداف منصات الإطلاق ومراكز القيادة ومخازن الذخيرة.
وأضاف أن قوة إيران الأساسية تكمن في قدرتها على الاستمرار في توجيه ضربات متفرقة ورفع التكلفة الاقتصادية والعسكرية للمواجهة، وليس في قدرتها على تحقيق انتصار تقليدي على الجيش الأمريكي.
من جانبه، يوضح اللواء نصر سالم أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا كبيرًا في الطيران العسكري والاستطلاع والحرب الإلكترونية والقدرات البحرية، وهو ما يجعل التحدي الأكبر أمام إيران مرتبطًا بقدرتها على اكتشاف الطائرات والصواريخ المهاجمة والتعامل معها، خصوصًا إذا نُفذ الهجوم من اتجاهات متعددة وفي توقيت متزامن.
وأضاف أن إيران قد تعتمد على توزيع قدراتها العسكرية على مواقع مختلفة، والاحتفاظ بجزء من منصات إطلاق الصواريخ بعيدًا عن الضربات الأولى، للحفاظ على قدرتها على الرد، إلا أن تحديد مدى نجاح هذه الاستراتيجية يحتاج إلى معلومات ميدانية واستخباراتية لا تتاح جميعها علنًا.
من الضربة المحدودة إلى المواجهة الإقليمية
وفيما يتعلق بالسيناريوهات العسكرية المحتملة، يرى السعيد أنه إذا تعرضت إيران لضربة أمريكية محدودة، فمن المرجح أن يكون ردها محسوبًا، من خلال هجمات صاروخية أو باستخدام الطائرات المسيرة على أهداف عسكرية مرتبطة بالولايات المتحدة، مع محاولة تجنب خسائر بشرية كبيرة قد تستدعي ردًا أمريكيًا أشد.
لكن السعيد يشير إلى أن الضربة الواسعة التي تستهدف منشآت استراتيجية أو قيادات عليا قد تدفع طهران إلى توسيع نطاق المواجهة ليشمل إسرائيل، أو استخدام ما تبقى من شبكات حلفائها الإقليميين للضغط على المصالح الأمريكية.
وأضاف أن مضيق هرمز يمثل ورقة شديدة الحساسية في هذه المواجهة، إذ إن مجرد تهديد حركة السفن أو استهداف بعض المنشآت النفطية قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف التأمين البحري، دون الحاجة إلى إغلاق المضيق بالكامل.
ولفت إلى أن حجم الرد الإيراني لن يرتبط فقط بالرغبة في الانتقام، وإنما أيضًا بقدرة القيادة الإيرانية على الاحتفاظ بالسيطرة على مؤسسات الدولة ومنع تدهور الوضع الداخلي أثناء العمليات العسكرية.
وفي السياق ذاته، يوضح اللواء نصر سالم أن الخيارات الأمريكية قد تبدأ بضربات محدودة تستهدف منشآت عسكرية أو مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، لكنها قد تتوسع لتشمل الدفاعات الجوية ومنصات إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة والسيطرة.
وأشار إلى أن الاختيار بين ضربة محدودة وحملة عسكرية أوسع سيتوقف على الهدف الأمريكي من العملية، وما إذا كانت واشنطن تريد توجيه رسالة عسكرية والضغط على طهران، أم تسعى إلى إضعاف قدراتها العسكرية لفترة طويلة.
وأضاف أن إيران تستطيع الرد باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وقد تستهدف قواعد أو منشآت أمريكية في المنطقة، لكن قدرتها على تحقيق أهدافها ستتوقف على حجم الضرر الذي ستتعرض له قدراتها العسكرية خلال الضربة الأولى، ومدى نجاح الدفاعات الأمريكية في اعتراض الهجمات.
وأكد سالم أن تهديد الملاحة في مضيق هرمز قد يمثل أداة ضغط إيرانية، لكنه يحمل تكلفة اقتصادية كبيرة، إذ لن تقتصر تداعياته على الولايات المتحدة، بل قد تمتد إلى أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين عالميًا، فضلًا عن الأضرار التي قد تلحق بالاقتصاد الإيراني نفسه.
وشدد على أن التهديد الإيراني لا ينبغي قياسه فقط بقدرتها على مواجهة الجيش الأمريكي بصورة مباشرة، وإنما أيضًا بقدرتها على رفع تكلفة الحرب وفتح جبهات ضغط متعددة في المنطقة.
الانتخابات الأمريكية.. هل تؤجل الحرب؟
وفيما يتعلق بتأثير الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في نوفمبر 2026، يرى السعيد أن ترامب يواجه حسابات سياسية معقدة؛ فمن ناحية، قد يرى أن تنفيذ عملية عسكرية ناجحة يعزز صورته كرئيس قوي أمام الناخب الأمريكي، ومن ناحية أخرى، فإن ارتفاع أسعار الوقود أو سقوط قتلى أمريكيين قد يتحول إلى عبء انتخابي كبير على إدارته.
وأضاف أن ترامب قد يكون أكثر ميلًا إلى العمليات المحدودة ذات الأهداف الواضحة، بدلًا من الانخراط في حرب طويلة يصعب التنبؤ بنتائجها، لكنه أشار إلى أن الحسابات الانتخابية لا تمنع اتخاذ قرارات عسكرية خطيرة، خاصة إذا اعتقد البيت الأبيض أن عدم الرد على تحد إيراني سيُفسر داخليًا باعتباره تراجعًا أمريكيًا.
من جانبه، يرى اللواء نصر سالم أن الانتخابات قد تدخل ضمن حسابات الإدارة الأمريكية، بالنظر إلى تأثير العمليات العسكرية الكبيرة على الداخل الأمريكي، سواء من ناحية الخسائر البشرية أو الإنفاق العسكري أو أسعار الطاقة.
وأوضح أن الاعتبارات السياسية قد تدفع الإدارة الأمريكية إلى التفكير في ضربة محدودة تحقق هدفًا عسكريًا واضحًا، ويمكن تقديمها للناخب الأمريكي باعتبارها نجاحًا، لكنه شدد على أن الانتخابات وحدها لن تحدد شكل العملية العسكرية أو توقيتها.
وأضاف أن القرار الأمريكي سيظل مرتبطًا بعوامل متعددة، من بينها تقدير واشنطن للتهديد الإيراني، واستعدادها لتحمل رد طهران، ومدى قدرتها على حماية قواتها ومصالحها في المنطقة.
إعادة رسم قواعد الاشتباك أم حرب مفتوحة؟
وفي تقييمه لمسار التصعيد، يرى السعيد أن المؤشرات التي ينبغي مراقبتها تشمل انتقال واشنطن من التهديدات إلى إجراءات عسكرية عملية، مثل تعزيز القوات الجوية والبحرية، وإعادة نشر منظومات الدفاع الصاروخي، وإجلاء الموظفين غير الأساسيين من بعض المواقع الأمريكية في المنطقة.
وأشار إلى أن ظهور قنوات تفاوض جدية أو تقديم مقترحات متبادلة بشأن البرنامج النووي والعقوبات قد يكشف عن وجود فرصة لاحتواء الأزمة، لكنه شدد على أن الانتخابات الأمريكية قد تؤجل بعض القرارات أو تسرعها، دون أن تنهي الأسباب الأساسية للصراع.
وأوضح أن الخلاف بين واشنطن وطهران لم يعد مقتصرًا على الملف النووي، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بمستقبل القدرات الصاروخية الإيرانية والنفوذ الإقليمي وأمن إسرائيل، معتبرًا أن المنطقة تتجه نحو محاولة إعادة رسم قواعد الاشتباك بين الطرفين، سواء عبر تفاهم سياسي يفرض قيودًا جديدة على إيران، أو من خلال مواجهات عسكرية تغير موازين القوى على الأرض.
من جانبه، يشدد اللواء نصر سالم على أن أي إدارة أمريكية، مهما كانت حساباتها السياسية، مطالبة بحساب احتمالات توسع المواجهة، محذرًا من أن الضربة العسكرية قد تبدأ بهدف محدود، لكن الردود المتبادلة يمكن أن تخرج الأمور عن السيطرة وتحولها إلى صراع إقليمي أوسع، بتكلفة تتجاوز التوقعات الأولية.
وبينما يظل الخيار العسكري حاضرًا في حسابات واشنطن، فإن قدرة كل طرف على تحمل تكلفة المواجهة ستبقى عاملًا أساسيًا في تحديد مسارها. فالانتخابات الأمريكية قد تؤثر في توقيت القرار العسكري وحدود التصعيد، لكنها لا تضمن منع الحرب، كما أن التفوق العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم في جميع نتائجها. وفي ظل هذه المعادلة، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان الطرفان سيتجهان إلى تسوية تعيد ضبط قواعد الاشتباك، أم أن التهديدات المتبادلة ستدفع المنطقة نحو مواجهة يصعب احتواء تداعياتها.