بينما تترقب العواصم الإقليمية والدولية ارتدادات الصراعات المشتوحة على جبهات الشرق الأوسط، تتجه الأنظار نحو عاصمة الأنوار الأوروبية التي تواجه بدورها عاصفة من الاحتجاجات العارمة والاضطرابات السياسية التي تهدد بإنهاء استقرار “الجمهورية الخامسة”، هذا “الإعصار الفرنسي” لم يعد مجرد شأن داخلي باريسي، بل يلقي بظلاله الثقيلة والخامسة على بيروت التي تقف وحيدة على حافة الانهيار وخريفها المترهل.
وفي وقت يعلق فيه لبنان آماله التاريخية على السند الدبلوماسي الفرنسي لسد الفراغ الأمني الرهيب في الجنوب ومعالجة تداعيات الفراغ المؤسسي، تتسارع الأسئلة القاسية حول مصير الوعود الأوروبية، وما إذا كانت أزمات باريس ستترك بلاد الأرز رهينة لتسويات كبرى وصفقات إقليمية تعيد رسم خارطة النفوذ على أنقاض ما تبقى من الدولة اللبنانية.
الأزمة الفرنسية المتشعبة وتداعياتها على الرهانات اللبنانية
وفي قراءة تحليلية لواقع الأزمة الفرنسية وانعكاساتها المباشرة، أشار جورج علم المحلل السياسي اللبناني لـ “القصة”، إلى أن فرنسا تعاني اليوم، ومعاناتها تصيب لبنان في مقتل؛ لكونها البوابة الأساسية نحو الاتحاد الأوروبي والعالم الغربي. وأوضح علم أن ما تشهده الشوارع الفرنسية من احتجاجات وأعمال شغب بدأ يخرج عن السيطرة ليتحول إلى نزيف مدمر، وذلك على أبواب انتخابات رئاسية مفصلية تضع الجمهورية الخامسة على صفيح ساخن ومسارات مجهولة و شرخ وطني كبير.
وبين السياسي أن الأزمة الفرنسية متشعبة وبدأ حراكها المطلبي من القطاع التربوي قبل أن يتحول إلى طوفان بشري ترفع مطالبه شعارات معيشية وخدماتية يخفي عمقها مضموناً سياسياً وانقلابياً وتغييرياً. وفي ظل صراع محتدم بين كتلتين متشددتين (يمين متطرف ويسار يساري متطلب)، تتزايد التحذيرات الإعلامية من حرب أهلية تجهز على ما تبقى من الجمهورية الخامسة، لافتاً إلى أن فرنسا أصابها العطب في مفاصل تاريخية ثلاث: التخلي عن الديغولية، تحول الديمقراطية إلى مصنع أزمات وديون طائلة، والتخلي عن الهوية الثقافية نحو علمنة منسلخة عن إرث التاريخ.
وعن الأثر اللبناني، أكد علم أن لبنان يقف مرتجفاً عند حافة الانزلاق؛ إذ إن “اتفاق الإطار” أصبح معطلاً بلا هدير محرّك بانتظار الرافعة الأمريكية، بينما المستجدات تطيح بالتمنيات اللبنانية بالتعويل على السند والدعم الفرنسي، بعد أن أصبحت باريس محكومة بسياسات شعبوية تفتقر لوزن مؤثر في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن لإعادة هيبة الاحترام لدورها.
شبح الفراغ والصفقات الإقليمية في الجنوب
كما أوضح علم أن الهاجس الأكبر الذي يقضي مضاجع المسؤولين والمواطنين في لبنان، والمتمثل في احتمال تحول البلاد إلى رهينة ضمن صفقة ثلاثية (أمريكية ـ إسرائيلية ـ إيرانية) تفقد معها استقرارها وجنوبها ونظامها لتتحول إلى شتات أقليات، وسط مخاوف جدية من مساعي الوصي الأميركي لإبدال “لبنان اللبناني” بآخر يخدم المطامع الإسرائيلية.
وأوضح جورج أن الحاجة إلى “فرنسا قوية” تظل ضرورة وجودية لسد الفراغ الأمني في الجنوب في ظل تأهب قوات “اليونيفيل” للرحيل، ودون إجابات قاطعة حول جاهزية قوات أوروبية للحلول مكانها لمنع إسرائيل من فرض هيمنة أوسع، فالصيغة اللبنانية مترهلة، والنظام مجرد هيكل عظمي جرده الفساد، والجيش بحاجة ماسة لدعم مادي وعسكري تفعله المؤتمرات الدولية التي رعتها باريس سابقاً.
واختتم جورج علم بالتأكيد على أن ذروة القلق الكبرى تتمثل في احتمالية انتقال الإعصار المدمر من الساحات الفرنسية والأوروبية ليتلاعب بما تبقى من أوراق خريفية في الشجرة اللبنانية، ويبدّدها وفق مقتضيات مصالح الكبار.