بعد مرور عام كامل على افتتاح المتحف المصري الكبير، في الأول من نوفمبر 2025، يمكن القول بثقة إن هذا المشروع لم يكن مجرد إضافة معمارية أو معلم أثري جديد، بل تحوّل إلى محرك حقيقي للسياحة الثقافية في مصر، وداعم مباشر للإيرادات والتشغيل، وتعزيز صورة مصر أمام العالم.
فالمتحف، الذي يُعد أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، نجح في استقطاب نحو 4 ملايين زائر منذ افتتاحه الرسمي وحتى نهاية أغسطس 2026، وفقًا لما أعلنته وزارة السياحة والآثار وهيئة المتحف المصري الكبير. وهو رقم يعكس إقبالًا استثنائيًا، ويؤكد أن العالم كان ينتظر هذه الوجهة الثقافية منذ سنوات.
أرقام تتحدث عن نفسها
لم يقتصر أثر المتحف على أعداد الزائرين من خلال بواباته، بل امتد ليظهر في مؤشرات السياحة المصرية ككل:
سجلت الإيرادات السياحية 18.4 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، بزيادة قدرها 10.3% مقارنة بـ16.7 مليار دولار خلال العام المالي السابق، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري.
ووصل عدد السائحين الوافدين إلى مصر خلال عام 2025 إلى نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21%، بحسب تصريحات وزير السياحة والآثار.
كما استقبلت المتاحف والمواقع الأثرية في مختلف المحافظات نحو 18.5 مليون زائر خلال عام 2025، بزيادة تقارب 33% مقارنة بعام 2024.
وحقق قطاع السياحة نموًا بلغ 17.3% خلال العام المالي 2024/2025، فيما ارتفع عدد الليالي السياحية إلى 179 مليون ليلة، مقابل 154 مليون ليلة خلال العام السابق، وفقًا لبيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل تمثل دليلًا على أن السياحة أصبحت أحد أهم روافد النقد الأجنبي والدخل الوطني، وأن المشروعات الكبرى، مثل المتحف المصري الكبير والمتحف القومي للحضارة المصرية، بدأت تؤتي ثمارها فعليًا.
المتحف كمنتج سياحي متكامل
الأهم أن المتحف لم يعد مجرد وجهة يمكن زيارتها خلال ساعات قليلة، بل أصبح جزءًا من تجربة سياحية متكاملة تشمل الأهرامات والسفح الغربي والقاهرة التاريخية والفنادق والمطاعم ووسائل النقل والخدمات التي يقدمها المرشدون السياحيون.
فكل زائر للمتحف يمثل عميلًا محتملًا للفنادق والرحلات اليومية وخدمات النقل والتسوق وغيرها من الأنشطة السياحية المتنوعة. وهذا هو المعنى الحقيقي للتنمية السياحية؛ أن يتحول الإنجاز الثقافي إلى دخل حقيقي يصل إلى العاملين في القطاع، بدءًا من المرشد السياحي وسائق النقل، وصولًا إلى موظف الفندق وصاحب المشروع الصغير.
كما يستقبل المتحف متوسطًا يصل إلى نحو 15 ألف زائر يوميًا خلال أوقات الذروة، وهو ما يخلق طلبًا مباشرًا ومستمرًا على الخدمات السياحية في القاهرة الكبرى والجيزة.
مكسب سياسي ودبلوماسي لمصر
على الصعيد السياسي، كان افتتاح المتحف حدثًا دوليًا بامتياز، إذ شارك فيه 79 وفدًا رسميًا من مختلف دول العالم، من بينها 39 وفدًا ترأسها ملوك وأمراء ورؤساء دول وحكومات.
ولم يكن هذا الحضور شكليًا، بل أسهم في إعادة تقديم مصر باعتبارها قوة حضارية وثقافية، وعزز ما يُعرف بـ«القوة الناعمة» للدولة. فقد بعث المتحف برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن مصر قادرة على تنفيذ المشروعات الكبرى، وتوفر بيئة مستقرة وجاذبة للسياحة والاستثمار، وتمتلك إرثًا حضاريًا لا يضاهيه إرث آخر.
كما عزز افتتاح المتحف مكانة القاهرة والجيزة على خريطة السياحة الثقافية العالمية، ورسخ صورة مصر باعتبارها مقصدًا سياحيًا لا تقتصر جاذبيته على الشواطئ، بل تمتد لتشمل التاريخ والحضارة والتجربة الإنسانية الفريدة.
التحدي القادم.. تحويل الزخم إلى نمو مستدام
رغم النتائج المشجعة، فإن مسؤوليتنا كنقابة السياحيين لا تقتصر على متابعة الأرقام، بل تمتد إلى العمل على تحويل هذا الزخم إلى نمو مستدام. ويتطلب ذلك اتخاذ عدد من الخطوات المهمة، أبرزها:
- تكثيف التسويق الدولي للمتحف في الأسواق الرئيسية، من خلال الحملات الرقمية والشراكات مع منظمي الرحلات وشركات الطيران.
- ربط زيارة المتحف ببرامج سياحية أوسع تشمل الأقصر وأسوان والساحل الشمالي وسيوة، بما يسهم في زيادة مدة إقامة السائح ورفع معدلات إنفاقه.
- التوسع في الطاقة الفندقية، خاصة في القاهرة الكبرى والجيزة، لا سيما في ظل وجود نحو 35 ألف غرفة فندقية قيد الإنشاء، وفقًا لتصريحات وزير السياحة والآثار.
- تدريب الكوادر السياحية وتأهيلها، وفي مقدمتها المرشدون السياحيون، لمواكبة الزيادة في الحركة السياحية والارتقاء بجودة التجربة المقدمة للزائرين.
- قياس الأثر الاقتصادي الحقيقي للمتحف من خلال مؤشرات تشمل متوسط إنفاق السائح ومدة إقامته ونسب الإشغال الفندقي، بدلًا من الاعتماد على أعداد الزيارات وحدها.