هاتفني صديق ناقلاً رأي شخص معترض على وجود سؤال على نص قرآني ومعلومات تخص التاريخ الإسلامي في اختبار اللغة العربية، فطلبت منه أولاً أن يذكر لي أسباب اعتراض الرجل، وبعد أن ذكرها سألته عن وظيفة المعترض؛ ثم عن اسمه.
الاعتراضات تشير إلى أن هذا يتعارض مع مدنية الدولة، وأن هذا يدل على التمييز، وأن هذه الأسئلة محلها اختبار التربية الدينية، ولأنني أوثر الموضوعية فسأتعامل مع القول لا القائل؛ للدولة لغة رسمية هي العربية، ونصوص العربية النموذجية العليا هي القرآن الكريم والحديث الشريف، ومع أهمية الشعر والنثر الأدبي فإننا نضطر إلى استبعاد العصر الجاهلي إلا في دراسة الأدب لطلاب المرحلة الثانوية، وننتقي ما يناسب “التوجيهات العامة” ومعايير وضع المنهج.
المنهج ليس الكتاب المدرسي، فالكتاب جزء من المنهج الذي يتكون من عناصر متعددة، وليتسع صدر القارئ لهذه الجملة: “كان الخليفة عمر بن الخطاب حاكمًا عادلاً” فهذه الجملة التي تبدو عادية تحمل في ثناياها عددًا من قواعد النحو والإملاء؛ النواسخ، والبدل، والنعت، والممنوع من الصرف، وحذف ألف ابن، والحروف التي تكتب ولا تنطق والحروف التي تنطق ولا تكتب، والجملة يعرفها محتواها الطالب منذ الفصل الخامس الابتدائي لأنه يدرس في الدراسات الاجتماعية؛ الدولة الإسلامية، ولا تؤثر في هويته الدينية، ومع حذف عمر بن الخطاب سنحذف ما يخص فتح مصر، ودخول العربية، وهذا يعني الإضرار بالجميع.. صاحب الاعتراض إذن اعترض على “ضروري” باعتباره “ضررًا” لجهله بتعريف المنهج ومجالات ومعاييره وممارساته ومؤشراته وأهدافه وأدوات تقييمها!
لماذا تقام الصلوات في الكنيسة باللغة العربية؟ ومن الذي عرب الصلوات؟ أجوبة كثيرة تؤدي إجمالاً إلى أن الكنيسة رأت أن العربية لغة الدولة فالأولى تبنيها لا معارضتها؛ لأن المعارضة تخلق لمعتنقها لغتين، وهويتين، وحدودًا فاصلة تزداد يوميًّا.
يتجاهل المعترض – لأنه يستمد مكانته من اعتراضه على ما يخص الدين الإسلامي فلم نسمه به طبيبًا ماهرًا، ولا أديبًا مطبوعًا، ولا مثقفًا وطنيًّا – أن مصر مرت بمراحل بناء المناهج وتعديلها عدة مرات، ولم نقرأ اعتراضًا واحدًا لمسيحي مثقف على وجود النصوص القرآنية، ولدينا مكرم عبيد وأنور عبد الملك ويونان لبيب رزق وسمير مرقص؛ لأنهم يعرفون أن تكوين المواطن الصحيح يكون عبر لغته وأن اللغة بنية، وأن دراسة النصوص النموذجية في بنيتها هو أنجح الطرق لإتقانها، وأُحِيل جاهلنا لرسالة عبد الملك المناقشة في السوربون 1969، تحديدًا الفصل الرابع “البنية الأساسية للحركة الثقافية” وقسم تطور التعليم: الأفكار والمؤسسات، وأحيل جاهلنا إلى الكتاب الذي قررته وزارة التعليم على طلبة طلبة الشهادة الإعدادية لنظمي لوقي وكتب مقدمته أمين الخولي وفتحي رضوان.
من أسباب شيوع ضعف المخارج لدى معظم المصريين، عدم تدريس “الصوتيات” ولو استفدنا من علم التجويد “لأنه علم صوتيات” لعالجنا الخلط بين السين والصاد الثاء، وبين الطاء والتاء، وهذا ما يفترض أن ينادي به من يريد لدولته أن تكون مدنية متطورة، أن ينظر إلى منهجيات التدريس الحديثة ويطالب بإدخال المناسب منها، وتطوير الموجود لدينا.
يطرح جاهلنا سؤالًا يشبهه: لماذا لا نضع من الكتب المقدسة الأخرى؟ وأرجو من قارئي الكريم أن يذكر لي كتابًا سماويًّا نزل باللغة العربية غير القرآن الكريم، وأظن أنه بقليل من التمعن نستطيع اكتشاف من يريد الإصلاح، ومن يبحث عن قضايا لإثارة الهراء غير الممتع.
لقد قرأنا الإلياذة والأوديسة ولم نعبد زيوس ولا أبوللو، وتراث العالم ملك قارئه، وليتقن واحدٌ منا لغة فعليه بالعودة إلى نصوصها العظيمة التي تظهر فيها قواعدها وخصائصها، وإن جئنا لتعريف التعليم من حيث هو “بناء السلوك وتعديله” أو “معرفة مقصودة تقود إلى ميول واتجاهات توجه السلوك وتدعمه” فما المشكلة في تدريس نصوصٍ سليمة اللغة، جميلة الأسلوب؟!
ربما يقول جاهلنا: “إن النص يحمل شحنات عاطفية موجهة” وأحيل من يقرأ هذا كي يقرأ القرآن ويقول لنا ما الشحنة التي جاءته من قراءة قصة نوح عليه السلام؟ وما الشحنة التي جاءته عند قراءة التوراة؟ ثم ألا يختار واضعو المناهج نصوصًا تحقق أهدافهم التربوية؟
بقي في العقل شيء؛ لم ينشغل المصلحون كرفاعة والطهطاوي والأفغاني وعبده وزكي نجيب محمود وأنور عبد الملك بمهاجمة الثوابت أو جرح شعور المواطن العادي والسخرية من معتقده، كان لديهم مشروع يطرحونه ويحاولون توطيد أركانه، ونقد ما يعترض مساره؛ فأي اعتراض هنا؟ وأي مشروع لك؟
إن الجريمة في حرمان الطلاب من دراسة نصوص لغتهم المثالية، وأعلاها القرآن الكريم كلام الله المنزل من عنده بلفظه ومعناه المنقول عبر ثقاة بجمع متواتر لا شك فيه.. وماذا سندرس إن لم ندرسه؟