أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

من العصا إلى السلاح.. كيف خرجت أفراح الصعيد من القاعة إلى الترند؟

لم تكن الجلابية التي ارتدتها عروس سوهاج مجرد بديل لفستان الزفاف، ولا العصا التي أمسكت بها مجرد تفصيلة عابرة في ليلة فرح. وسط أنغام المزمار البلدي، نزلت العروس إلى ساحة التحطيب وشاركت عريسها الرقصة، في مشهد أعاد إلى حفل الزفاف طقسًا من ملامح الصعيد، لكنه في الوقت نفسه فتح بابًا واسعًا للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي: هل ما فعلته إحياء للتراث أم خروج عن المألوف؟

على بعد مئات الكيلومترات، كانت عروس أخرى في قنا تظهر في مشهد مختلف تمامًا؛ بندقية آلية في يدها فوق الكوشة، وأسلحة نارية في أيدي بعض الحاضرين. الفيديو، الذي يعود إلى نحو عام ونصف، لم يلفت الانتباه وقتها، لكن إعادة تداوله مع انتشار فيديو عروس سوهاج أعاد الواقعة إلى الواجهة، هذه المرة من بوابة الأمن والقانون.

بين العروسين، لم تكن السوشيال ميديا مجرد شاشة تعرض مشاهد من الأفراح؛ تحولت إلى مساحة للحكم على ما يحدث داخلها، ومقارنة ما يُسمى «التراث» بما يُعد خروجًا عن العادات، وفي الوقت نفسه تضخيم مشاهد قد تكون عابرة لتصبح حديث جمهور يتجاوز القرية والعائلة ومجتمع الفرح.

أخبار ذات صلة

نقابة الصحفيين
نقابة الصحفيين تتقدم ببلاغ للنائب العام وشكوى للداخلية للمطالبة بالإفراج عن 6 صحفيين
قانون الإجراءات الجنائية
المركز العربي يرحب بتأجيل قانون الإجراءات الجنائية ويحذر: أفرجوا عن كل من تجاوز حبسه 18 شهرًا
الكاتب الصحفي عمرو بدر
عمرو بدر متضامنًا مع "متصدقش": القبض على 6 صحفيين في يوم واحد خطوات جديدة للخلف

ففي الصعيد، حيث ظلت الأعراف والعائلة والسمعة جزءًا أساسيًا من شكل الاحتفال، تبدو أفراح اليوم أكثر اتصالًا بعالم آخر تحكمه الكاميرا والريلز والتفاعل والرغبة في تقديم لحظة مختلفة. وبين جلابية وعصا من جهة، وسلاح آلي من جهة أخرى، يظهر سؤال أكبر: ماذا يحدث لعادات الصعيد حين تنتقل من ساحة الفرح إلى شاشة السوشيال ميديا؟

عروس سوهاج.. الجلابية والتحطيب في ليلة الزفاف

في حفل زفاف بسوهاج، اختارت العروس أن تترك فستان الزفاف جانبًا، وترتدي الجلابية الصعيدية، قبل أن تشارك عريسها، الفنان، رقصة التحطيب بالعصا على أنغام المزمار البلدي، وسط تفاعل الحضور.

المشهد لم يبقَ داخل قاعة الفرح، إذ انتقل سريعًا إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسم المتابعون بين من رأى فيه محاولة لإحياء الفلكلور الصعيدي والاحتفال بالتراث بعيدًا عن التكلف، ومن اعتبره خروجًا عن تقاليد اجتماعية اعتادت فرض قدر من الوقار على الفتيات في المناسبات العامة.

العريس دافع عن الواقعة، مؤكدًا أن الأمر بدأ مصادفة بسبب تأخرهما في جلسة التصوير، ولم يكن بهدف السعي وراء الترند.

لكن الفيديو فتح نقاشًا أوسع من تفاصيل الحفل نفسه؛ إذ تحولت الجلابية والتحطيب من أدوات للاحتفال إلى رموز يناقش المتابعون من خلالها حدود التجديد، ومن يملك حق إعادة تقديم التراث، وما إذا كان تغيير شكل الطقس التقليدي يعني بالضرورة التخلي عنه.

عروس قنا.. حين دخل السلاح إلى الكوشة

في قنا، كان المشهد مختلفًا تمامًا.

داخل حفل زفاف بقرية أسمنت التابعة لمركز نقادة، ظهرت عروس فوق الكوشة وهي ترقص حاملة بندقية آلية، بينما ظهر عدد من المعازيم وهم يستعرضون الأسلحة النارية.

أثار الفيديو موجة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب استخدام الأسلحة خلال حفل يضم عددًا من المواطنين، قبل أن تتدخل الأجهزة الأمنية وتضبط متهمين، بينهم العروس وقريبتها وثلاثة رجال، مع التحفظ على السلاح.

المفاجأة أن الفيديو لم يكن جديدًا؛ إذ كشفت التحريات أن الواقعة تعود إلى نحو عام ونصف، لكن إعادة تداولها بالتزامن مع انتشار فيديو عروس سوهاج أعادتها إلى دائرة الاهتمام، لتتحول لقطات من حفل قديم إلى واقعة ترتبط بإجراءات أمنية وتحقيق رسمي.

وهنا تتباعد الواقعتان أكثر؛ ففي سوهاج يدور الجدل حول حدود التجديد واستدعاء عناصر من التراث، بينما ارتبطت واقعة قنا باستخدام سلاح ناري وما يترتب عليه من مخاطر ومسؤولية قانونية.

متى يكون التراث تراثًا؟

يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي، الدكتور سعيد صادق، أن التعامل مع دمج الفلكلور الصعيدي، مثل الجلابية والتحطيب، في المناسبات الحديثة لا يُقاس بمعيار «إما/أو»، وإنما يمثل طبقة مزدوجة تختلف باختلاف السياق.

ويقول صادق، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، إن آلية الحماية الواعية للتراث تتجلى في الممارسات المستمرة خارج العدسة، مثل التحطيب الحي المسجل في اليونسكو بقواعده وأخلاقه، والمهرجانات الرسمية في الأقصر، واستمرار التفصيل اليدوي للجلابية البلدي، وردود الفعل الهوياتية الفخورة بعد أزمة المتحف المصري الكبير.

ويضيف أن التراث، بما يحمله من قيم مثل النخوة والاحترام والانتماء، يبقى قيد التداول بين الأجيال ويقاوم النظرة الطبقية.

لكن الصورة تتغير، بحسب صادق، عندما تتحول العناصر التراثية إلى مجرد ديكور أو «لوك زفاف» لمشاهير، أو إلى صور بالذكاء الاصطناعي، أو لقطات سريعة بلا قواعد.

ويشرح أن الخوارزميات تبتلع المعنى الاجتماعي وتبقي فقط على الإطار البصري السريع: «جلابية + عصا + مزمار = ريلز جاهز».

أربعة أسئلة خلف صورة التراث

لوضع فارق بين الممارسة التراثية الحقيقية واستخدامها كصورة، يضع صادق أربعة أسئلة: هل الممارسة مستمرة خارج العدسة؟ من يملك المعنى، الشيوخ أم صانع المحتوى؟ هل الزي أداة حقيقية أم «كوستيوم» مؤقت؟ وهل يتم احترام الحامل الأصلي للتراث أم إقصاؤه؟

ومن هذه الزاوية، يصبح ظهور عروس سوهاج بالجلابية والتحطيب جزءًا من نقاش أوسع حول الطريقة التي تنتقل بها العادات من سياقها المحلي إلى فضاء رقمي مفتوح، حيث يمكن لصورة واحدة أن تحصل على قراءات مختلفة تمامًا عن معناها داخل المكان الذي خرجت منه.

لماذا قبل البعض.. ورفض آخرون؟

حول إشكالية تقبل شريحة لرقص العروس بالجلابية والتحطيب ورفض أخرى لها، يوضح صادق أن الانقسام لا يُفسر بـ«تقدم مقابل تخلف»، وإنما هو تصادم لأنظمة معنى داخل المجتمع نفسه.

ويشير إلى أن الأنثروبولوجيا ترى في الزفاف طقوس عبور تُعلق فيها بعض القواعد مؤقتًا، ما يجعل القبول مرتبطًا بكون الفعل محصورًا بزمن الفرح، بينما يرفضه المحافظون باعتباره كسرًا لحاجز الفصل بين الرجال والنساء وخروجًا على الشرف الجندري.

أما التحطيب، فيقول صادق إن الرفض ليس كراهية للمرأة، وإنما دفاع عن احتكار رمزي للعبة؛ فالتحطيب التقليدي مبارزة قتالية برجالها، بينما نسخة العروس تُصنف كفلكلور أو محاكاة مسرحية تشبه رقص العصا القديم، مثل الغوازي وفرقة رضا، وكلما سُمي النشاط «رياضة معاصرة» زاد القبول.

ويضيف أن الجلابية البلدي نفسها تحمل دلالات مختلفة؛ فهي بالنسبة إلى البعض توفر غطاءً رمزيًا من الحشمة، بينما يرى الرافضون أن الحشمة لا تتعلق بالقماش وحده، وإنما بتخصيص الأدوار، معتبرين ارتداء زي الرجال استعارة للذكورة لا اعتزازًا بالتراث.

ويؤكد صادق أن الموقف يتوزع كذلك حسب الجيل والتعليم والمكان، ففرح القرية ليس كفرح الفضاء المختلط، إلى جانب السلطة الرمزية للأهل، ودور السوشيال ميديا في تحويل الطقس المحلي إلى تقييم قومي عام ومادة للضبط الأخلاقي.

السوشيال ميديا.. «طرف ثالث» في عقد الزواج

في تحليله لتأثير منصات التواصل على طقوس الخطوبة والزواج، يرى صادق أن السوشيال ميديا لم تلغِ التقاليد، لكنها أصبحت «طرفًا ثالثًا» في العقد الاجتماعي للفرح.

وعلى مستوى السينوغرافيا والاقتصاد البصري، يبرز صادق كيف تراجعت الكوشة التقليدية لصالح «الستيج» وحلبة الرقص المصممة للريلز، وتغيرت الحنة والزفة لتصبحا مشاريع لصناعة محتوى سريع الانتباه.

أما على مستوى التوقعات والتكاليف، فيوضح أستاذ علم الاجتماع كيف ترفع المقارنات المستمرة سقف التكاليف، مما أدى إلى ظاهرة «التنافر المعرفي» ورفض شروط سكن تقليدية بسبب مطابقة الواقع بريل لشخص آخر، إلى جانب توسيع سوق التعارف.

وعلى مستوى البنى العميقة، مثل الفصل بين الجنسين والشرف وسلطة العائلة، يؤكد صادق أن المنصات أضعف؛ إذ يتم إما «امتصاص» المنصة وتقديم التراث كأصالة قابلة للتصوير، أو «تحصين العرف» عبر منع التصوير للسيطرة على تسريب صور النساء.

ويحدد صادق خمس قوى فاعلة في هذه العملية: الجمهور بلا قرابة، واقتصاد الانتباه، والمقارنة كبنية نفسية، وتحويل الوسيط، سواء الشبكة أو الفستان، إلى معيار، ودخول الدولة كمسؤول عن «قيم الأسرة المصرية» عبر القانون الرقمي.

التعليقات لا تكتفي بوصف الانقسام

في قراءته لتباين ردود الفعل على شبكات التواصل، يوضح صادق أن الأمر ليس مجرد صراع أجيال، وإنما اصطدام بين نظريتين للتعامل مع التراث يتشابك فيهما البعد الطبقي والثقافي.

النظرية الأولى، بحسب صادق، تتعامل مع التراث باعتباره قواعد ثابتة لا تمس، ويصبح أي تغيير تحريفًا. ويظهر خطابها في عبارات مثل «عيب» و«خرجت عن طبع القرية»، خصوصًا لدى من يعيشون تحت رقابة الجيران اليومية وتتحمل بيوتهم كلفة السمعة.

أما النظرية الثانية، فترى التراث موردًا قابلًا لإعادة التركيب، وتعتبر أن حمايته يمكن أن تتم من خلال الاستخدام والتطوير لا التجميد. ويصف صادق خطاب هذا المعسكر بأنه هوياتي وجمالي، وينتشر بين الشرائح المتعلمة والمرتبطة بالمدن، التي تستخدم كسر المألوف كرأس مال رمزي ومكانة جديدة ضد احتقار الصعيد.

ويختتم صادق حديثه بالتأكيد أن التعليقات ليست مجرد وصف للانقسام، وإنما أدوات لإنتاجه؛ فهي تعيد تصنيف الفاعل، وتحدد مجال الحكم، وتمنح غطاءً أو تسحبه، وتخلط الطبقي والثقافي عمدًا لتحويل الخلاف القيمي إلى صراع على شرعية تمثيل الهوية.

ماذا يحدث للمرأة في مجتمع الصعيد؟

من منظور علم النفس، يقول أستاذ علم النفس الدكتور أحمد فخري إن المجتمعات أصبحت اليوم تجني نتاج وسائل التواصل الاجتماعي من خلال ظواهر جديدة نتيجة الانفتاح المتسارع على العالم الافتراضي، لافتًا إلى أن التأثير أصبح واضحًا وملموسًا في الأماكن التي حافظت لفترات طويلة على العادات والتقاليد والتراث المصري.

ويؤكد فخري، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، أن المدهش في الأمر هو ظهور هذه الظواهر في صعيد مصر، المعروف بعصبيته القبلية وتحكم العادات والتقاليد الصارمة في سلوك أفراد المجتمعات المحافظة.

ويلفت إلى أن التغير طال ما هو متعارف عليه في ريف مصر وقراها، وخاصة في صعيد مصر وعاداته المتعلقة بالمرأة وسلوكها العام.

ويرى فخري أن ما ظهر على وسائل التواصل الاجتماعي من أفراح ومناسبات في صعيد مصر، وخصوصًا خروج العروس عن المألوف والمعتاد في الأعراس، يشير إلى تغير في طريقة تعبير بعض النساء عن أنفسهن.

ويقول إن عصر العالم الافتراضي والانفتاح على المجتمع الخارجي والتأكيد على حرية المرأة وحقوقها أدى لدى بعض الفتيات في الصعيد إلى رغبة في تجربة الخروج عن المألوف ولفت النظر، وتجاوز نطاق العادات المتعارف عليها في المناسبات العامة، من أجل إرسال رسالة مفادها أن للمرأة الحق في التعبير وحرية اختبار الواقع بشكل مغاير.

لكن الصعيد ليس كتلة واحدة

يؤكد فخري أن الظاهرة ليست واسعة النطاق في صعيد مصر، إذ تظل منطقة الجنوب محكومة بالعادات والتقاليد بشكل رئيسي.

ويلفت إلى أن العوامل المؤثرة تختلف من حالة إلى أخرى، وتتوقف على البيئة الأسرية التي نشأت فيها الفتاة، وثقافة العريس ومدى تقبله لغير المألوف، والثقافة الوافدة ومدى تقبلها لحرية العروس في كسر حاجز العادات، فضلًا عن مستوى ثقافة وتعليم الفتاة وأسرتها.

ويؤكد أن هذه العوامل تمثل النواة التي يُبنى عليها الخروج عن المألوف في تلك المجتمعات المتحفظة.

ويختتم فخري حديثه بالتأكيد أن هذه التحولات تعد مؤشرًا على تغير اجتماعي وثقافي ونفسي في هذه المجتمعات، مشيرًا إلى أهمية المحافظة على التقاليد الإيجابية وتوعية الأجيال الناشئة بأهمية تعديل بعض العادات التي لم تعد تتوافق مع مجريات العصر الراهن.

حين يغادر الفرح مكانه

في النهاية، لم تعد لحظة الفرح تنتهي بانتهاء الموسيقى أو مغادرة المعازيم. كاميرا الهاتف يمكن أن تحملها إلى جمهور أبعد من المكان، وخوارزمية المنصة يمكن أن تعيد تدويرها بعد أيام أو حتى سنوات، والتعليقات يمكن أن تمنحها معنى جديدًا لم يكن حاضرًا داخل القاعة.

في سوهاج، خرجت الجلابية والتحطيب من حفل زفاف إلى نقاش حول التراث والعادات وصورة المرأة. وفي قنا، خرج فيديو قديم من أرشيف الهواتف إلى دائرة الاهتمام من جديد، بعدما أعاد تداوله مستخدمو السوشيال ميديا وانتهى إلى إجراءات أمنية وقانونية.

وبين المشهدين، لا تبدو الحكاية مجرد منافسة على الترند؛ إنها قصة مجتمع تتغير طريقة عرضه لنفسه، بينما تظل أسئلته القديمة عن العائلة والسمعة والمرأة والتراث حاضرة، لكن هذه المرة أمام جمهور أكبر بكثير من جمهور الفرح.

 

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

متصدقش
حزب المحافظين يدين توقيف 6 صحفيين من "متصدقش" ويطالب بالإفراج عنهم
1790686121053
من العصا إلى السلاح.. كيف خرجت أفراح الصعيد من القاعة إلى الترند؟
193454a8-3f07-4f5a-b889-4f713916354c
هل تفرض إسرائيل واقعًا جديدًا في غزة؟
Screenshot_٢٠٢٦-٠٩-٢٩-٢١-٠٥-٠٠-٧٣٥_com.android
مصر والسودان في مرمى اتهامات إثيوبيا.. ماذا يحدث خلف معارك تيغراي؟

أقرأ أيضًا

مجلس النواب المصري
قانونيون يناقشون موقف "النواب" من "الإجراءات الجنائية الجديد".. ماذا قالوا؟
إبراهيم عيسى
إبراهيم عيسى عن غياب القيادات السياسية: من يتحدث مع الشارع وقت الغضب؟
من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ
انخفاض سعر الدولار في البنوك
الدولار يتجاوز 52 جنيهًا.. هل يدفع المواطن ثمن «الأموال الساخنة»؟