أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

خالد يوسف يكتب لـ”القصة”.. في ظلال الخوف

أدرك أنني بهذا المقال ربما أحظى بأكبر حملة هجوم، إذ تتعاون فيها هذه المرة كل اللجان، ويصطف المتنافرون والخصوم الذين قلما اجتمعوا على شيء.

فالمؤكد أنه سيأتيني هجوم من الإخوان، وقبلهم من موالي النظام، ومعهم أنصار السادات ومؤيدو نظام مبارك، وقد يأتيني هجوم أيضاً من بعض الثوريين الذين قد يعتقدون أنني أوصد الباب في وجوههم عمداً، وأنني أريد أن أحبطهم بتعليمات من النظام باعتباري عميلاً في ثوب معارض. عموماً، الله المستعان، وياما دقت على الرأس طبول.

رموز ولجان الإخوان تروّج هذه الأيام أن الثورة قد اقتربت، ورموز ولجان النظام لا تدخر وسعاً في محاولة أن تلقي الرعب في قلوب الناس بخطورة أي تحرك شعبي.

أخبار ذات صلة

فيفا
اتحاد "نيوزيلندا" لكرة القدم يسحب الثقة من إنفانتينو
المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية
"المصري للحقوق والحريات": المسئولون يكتفون بالتصريحات الشكلية والمآسي تتكرر
النيابة العامة
النيابة العامة تحقق في أزمة "خطوط المحمول"

وبرغم أنني لست مؤيداً لهؤلاء ولا تابعاً لهؤلاء، أحب أن أقول إنه ليس هناك ثورة آتية في القريب، برغم إقراري بتردي الأحوال وبرائحة غضب تفوح في الأجواء، وسأشرح كيف وصلت لهذه النتيجة وعلى أي شيء بنيت رؤيتي – مع أنني نفس الشخص الذي استشرف بثورة يناير وثورة يونيو بشكل مباشر سواء في أفلامي أو في تصريحاتي.

في البداية لا بد أن أقولها بشكل واضح، كي أضع البنية الأساسية لرؤيتي: إن الإخوان هم أهم سبب لاستمرار النظام السياسي الذي يحكم مصر منذ وصول السادات للحكم سنة 1970.

فلا يوجد داعم للنظام السياسي المصري عبر أكثر من خمسين عاماً أكثر من الإخوان، ولا يوجد داعم لبقاء واستمرار الإخوان كمشروع حي غير هذا النظام.

أما الشعب كله بتياراته السياسية وقواه المجتمعية، فهو خارج اللعبة تماماً، أو أُخرج منها قسراً وعمداً.

إن أي نظام سياسي ديمقراطي يسعى للاستمرار لا يكتفي بأن يكون الشعب وراءه راضياً ومؤيداً، بل يطمح أن يكون الشعب أمامه موجهاً وقائداً، أي أن تكون تطلعات الشعوب هي بوصلة هذه الأنظمة وهي الموجِّهة لسفينة سياساتها.

أما الأنظمة السياسية الأخرى ذات الشكل الديمقراطي دون جوهره، أو حتى النظم الشمولية أو الاستبدادية، فتكتفي بالبحث عن رضا الناس لإدراكها أن ذلك هو أهم أسباب استمرارها.

إلا أننا وعلى مدار أكثر من خمسين عاماً اعتمد نظامنا، على نظرية الخوف.

الخوف بشكل عام، ثم على وجه خاص الخوف من البديل، أي الخوف من نظام أكثر سوءاً تزداد معه الأحوال سوءاً.

وبالبلدي يُقال الآن مثلاً: “هو إحنا لما عملنا ثورتين، مرة على مبارك ومرة على الإخوان، الأحوال اتحسنت ولا ساءت؟” الجميع سيقول إنها ساءت، إذن أي تحرك آخر ستكون الأحوال فيه أشد سوءاً وأكثر كارثية.

لقد نجح النظام بامتياز وبشكل مذهل في زرع الخوف في وجدان الشعب وليس في عقله الجمعي فقط، وصدّروا في بؤرة التفكير العام سؤالاً: وما البديل؟ أليس البديل أسوأ؟ فحتى الذين لا يملكون غير رغيف خبزهم يخشون ألا يجدوه لو حدث أي حراك شعبي أو تغيير، ناهيك عن الذين يمتلكون شيئاً، فهم يخشون ضياع ذلك الشيء سواء من الفوضى نفسها أو من التداعيات والنتائج والمآلات.

فلسفة النظام: كيف بدأت وكيف استقرت

دعوني أتحدث عن نظرية وفلسفة النظام السياسي المصري خلال خمسون عاماً، ومتى بدأت، وكيف استقرت مؤسساته على هذه النظرية واطمأنت لها وتوارثتها، وتأكدت وتعاظمت وتضخمت مع السنين وتوالي الحوادث.

البداية كانت مع الخطيئة الكبرى للسادات بإخراجه الإخوان المسلمين من السجون ومساعدتهم في التمكين. وكنا نعتقد أنه فعل ذلك كي يواجه بهم التيار الناصري واليساري الذي كان يصارع حكمه ويهدد استقراره، وكنا مخطئين وقاصرين في التحليل، لأن السادات – بجانب هذا الهدف المرحلي الذي سعى له بالفعل – أراد أن يجعلهم البديل ولا أحد غيرهم، وهذا هو الأهم. ولما استفحل أمرهم وغرّتهم القوة، تمكنوا من قتله بواسطة أحد أبناء تيارهم.

لم يتراجع خلفه مبارك عن نهجه، بل سار في نفس الطريق، وعلى مدار الثلاثين سنة قضى على الأحزاب المدنية – يمينية ويسارية – وخرّبها من الداخل، وأخلى الساحة وترك الإخوان وحدهم يتمددون ويمدون جذوراً لهم في كل شارع وفي كل حي وفي كل قرية، حتى إذا جاء الغضب – ثورة يناير مثلاً – لم يكن أمام مصر ما هو مؤهل للوصول للحكم غير الإخوان، برغم أنهم لم يكونوا من الداعين لهذه الثورة ولا من المشاركين فيها من البداية.

وكنا نقول إن ذلك هو خطيئة نظام مبارك الكبرى كما كانت خطيئة السادات، ولكني الآن أشعر بغبائنا جميعاً في هذا التحليل، إذ إن مبارك ونظامه قد قصد ذلك عمداً كما صنعه وقصده سلفه – ولم يصنعوه خطأً – وذلك لاستبقاء ثنائية “أنا أو الفوضى”، أو “أنا أو الحكم الديني الذي سيسحق الشعب باسم الله”.

وكان طبيعياً ما حدث بعد ذلك، فعندما سقط نظام مبارك أفسحوا المجال وهيّأوا الظروف والأسباب لوصول الإخوان للحكم، ومحاولة ألا يكون البديل مدنياً، لأن البديل المدني مهما كان سيئاً سيخلق أشواقاً لهذا الشعب في التصحيح والبحث عن بديل مدني آخر، وتنتفي ثنائية “أنا أو الإخوان”.

واستمر نهج هذا النظام في إخلاء الساحة أمام أي بديل آخر غير الإخوان، فاستمرت عمليات تجفيف التيارات السياسية المدنية ورموزها، سواء بالسجن أو بالتصفية المعنوية والتشويه، أو بنسبها لأجندات أجنبية غير وطنية، أو بمحاصرتهم في أرزاقهم وحياتهم، وعدم إفساح الطريق أمام هذه التيارات لعمل شيء له معنى، وغلق المجال العام أمامها تماماً لتموت بالبطيء، والضرب بيد من حديد على أيدي شباب هذه التيارات المدنية بالذات، للقضاء على أي أمل في المستقبل، ويتبقى البديل الموجود الذي ينفخون فيه الروح كلما وهن أو ضعف كي لا يموت، وهو تيار الإسلام السياسي، ليكون هو البديل الوحيد أمام الناس.

حتى إذا جاءت أي لحظة حاسمة غير مرتَّب لها وغير محسوب حسابها، وجاءت بفعل تفاعل الظروف الموضوعية على الأرض، تجد الناس أنها أمام هذين الاختيارين فقط، وبالطبع سيختارون النظام القائم ويتمنون استمراره، وبمن فيهم التيارات السياسية المدنية نفسها التي ذاقت الأمرَّين من هذا النظام، بل سيكونون في طليعة من يتصدى لعدم تمكين هذا البديل المدمر للوطن، وسيكون منطقهم “قضا أخف من قضا”، ويصطفون مع النظام.

“عايزين كله يعرف إننا غشم”

وهذه الفلسفة التي يتبناها النظام علي مدار خمسين عاماً هي التي تفسر الكثير من القرارات التي تدهش البعض وتجعلهم يخبطون رأسهم في الحيط ويقولون “معقولة يعملوا كده، ما هذا الجهل؟” هو ليس جهلاً يا سادة، إنه الوعي الكامل والإدراك المبني على رؤية واضحة. وقد تذكرت وأنا أكتب هذه الجملة موقفاً طريفاً تعرضت له منذ سنوات.

فقد كتبت حينها أكثر من منشور بعنوان “لماذا كل هذا الغشم” على قرارات كنت أراها كذلك، ولم يلمني أو يأتني اتصال قد تعودت عليه وألفته من القائمين على إدارة هذه الملفات. وفي حديثي مع أحدهم قلت له: لماذا لم تعلّق لي أو تستأ من منشورات الغشم المتتالية التي كتبتها، وتحدثني وتعلّق لي على ما هو أدنى وأقل اشتباكاً معكم؟ فقال لي وهو يضحك: “لا، ما إحنا عايزين كله يعرف إننا غشم، عشان كله ياخد باله ويعمل حسابه.”

وكان ما قاله هذا المسؤول هو ما يفسر التعسف البالغ مع أشخاص لم يصنعوا شيئاً غير التعبير عن رأيهم، ولا دعوا لعنف، ولا حضّوا على كراهية، بل المدهش أن بعضهم تأثيره محدود.

وكنا في البداية نندهش لماذا يصنعون ذلك، ولماذا يصرّون على بقاء ملف سجناء الرأي مفتوحاً، وأمامهم فرص عظيمة للتصالح مع هذه التيارات بل والتحالف معها عندما يتعرض الوطن لأي تحدٍّ، تجدهم غير راغبين في ذلك بل رافضين له، وكنا نتهمهم بيننا وبين أنفسنا بالغباء السياسي، واتضح أننا نحن الأغبياء.

فهم لا يريدون أن يملأ فراغ الإخوان أحد، والمدهش أنهم غير مهتمين أن يملأ هذا الفراغ حتى أحزاب الموالاة وكوادرها غير المشكوك في ولائها، ولسان حالهم: “كان نفعنا في إيه كوادر الحزب الوطني التي تبخرت عندما قامت القيامة في يناير 2011؟” وهذا يفسر كم العبث الحادث في اختيار مرشحيهم لعضوية البرلمان، وعدم الحرص على اختيار الأكفأ والأكثر جماهيرية وتواجداً في الشارع.

وهذه الاختيارات تنسحب على بقية مناحي الحياة وفي كل المجالات، ولا دهشة من عدم الاعتماد على كوادر قوية والاعتماد على الكوادر الضعيفة، وهي التي تقود وتسود في كل المجالات إلا فيما ندر.

ولا يظن قارئ لكلماتي ان النظام يعطي تعليمات لقياداته باختيار الاسوء هذه حماقة بالطبع يكفي ان يختار الاقل كفاءة علي رأس اي منظومة ومحسوم انه سيختار الاسوء وذلك لأن مثل هذه الأنظمة لا تستهدف مجتمعاً ناهضاً، لأن النهضة في كل المجالات – حتى لو كانت بعيدة عن السياسة مثل التعليم أو الاقتصاد – هي مشروع يخلق تطلعات عند الشعوب، وهذا هو الخطر الداهم على استمرارهم، ويكون لزاماً أن يسود ويقود “المديوكر” أي “النص نص” في كل مجال، كي نأمن شرور النخب الذكية الخلّاقة.

لقد باتت لديهم قناعة تامة بل وإيمان شديد أن الحل هو حل أمني وفقط، وأن ما حدث في يناير كان لسببين: الأول هو الهامش الديمقراطي الذي تركه مبارك، فكان لا بد أن نغلقه بالضبة والمفتاح، والثاني تهاون الأمن وتركه لخمسمئة شخص على سلالم النقابة، فتكوّم عليهم خمسة آلاف، ثم استهتر الأمن وتركهم يدخلون ميدان التحرير فأصبحوا خمسين ألفاً، فقامت الثورة وانضم إليهم الملايين.

وبالتالي لن نترك خمسة أشخاص متجمعين على بعضهم على أي شيء في الشارع، وإذا حدثت وخرجت الأمور عن السيطرة لأي سبب، فتجىء ساعة استخدام فزّاعة الإخوان فتعود الأمور إلى نصابها.

هذا ما أعرفه، وبإيجاز قد يكون مخلاً أو بتفصيل قد يكون مملاً، عن فلسفة هذا النظام.

أما الإخوان… الشركاء في الأزمة

أما الإخوان، فالحديث عنهم سألخصه قدر الإمكان لأن المقال قد طال بالفعل. الإخوان يريدون هذا النظام باقياً إلى أن تأتي اللحظة المناسبة للانقضاض، كالتي واتتهم وأتت في العام 2012. ولا مشكلة إن طال انتظار هذه اللحظة، فـ”السبوبة” مستمرة، والأنظمة والجماعات التي لها مصالح ضد النظام المصري كثيرة ومستعدة للدعم والمساندة المادية والمعنوية.

وبالطبع الإخوان لا يتمنون ولا يريدون نظاماً مدنياً ديمقراطياً يحكم مصر، لأنه في حينها لن يكونوا بديلاً من أساسه، لذلك هم لا يريدون أي معارضة غيرهم، وهذا يفسر لماذا يهاجمون معظم رموز المعارضة مثلما يهاجمون النظام.

وأزيدكم من الشعر بيتاً: إنهم يريدون بطش النظام ويتمنونه، كما يتمنى ويستعذب الشخص المازوخي تعذيب ذاته، وذلك لأنهم لا يستطيعون أن يعيشوا إلا على المظلومية. وعلى سبيل المثال، هم أرادوا أن يكون فض اعتصام رابعة دموياً، ويقيني أنه لو لم يكن النظام قد ضرب بقوة لفضّه، لكانوا قد اضطروه لذلك، بل أقول وضميري مطمئن إن أول طلقة أُطلقت في هذه المواجهة كانت إخوانية، فردّت القوات بقوة، صحيح كان انصياعاً للتعليمات الحاسمة، ولكنها أيضاً لأن الضباط – كبشر – وجدوا أنفسهم يدافعون عن حياتهم عندما وجدوا أول ضابط قد سقط صريعاً بجانبهم، فحدث إسراف في استخدام القوة اعترف به المجلس القومي لحقوق الإنسان التابع للنظام.

فالمظلومية هي منهج الإخوان طوال تاريخهم، والنواح على “كربلائهم” صفة ملازمة لهم. ولو رجعنا للبدايات سنجد أنهم عاشوا في كنف الملكية على مظلومية قتل الملك فاروق للمرشد، واعتقال أكثر من خمسة آلاف من أعضائهم بعد قتلهم للنقراشي باشا، والاغتيالات والتفجيرات التي صنعوها لكي يصلوا إلى فكرة المظلومية.

وعندما جاء جمال عبد الناصر وحاولوا أن يركبوا نظامه ولم يتمكنوا، أقدموا على محاولة اغتياله ومحاولة خلخلة نظامه، وعاشوا على مظلومية اعتقاله للضالعين منهم في هذه المؤامرة. ولما خفّ تأثيرهم وانتصر مشروع عبد الناصر السياسي والاجتماعي وأصبح له مؤيدون بعدد ملح الأرض، أعطاهم فرصة أخرى وعفا عنهم وأخرجهم من السجون وأعادهم لعملهم، سرعان ما خططوا لما سُمّي بمؤامرة 65، وخططوا لتفجير القناطر الخيرية وإغراق الدلتا وتفجير كل الأماكن الحيوية، وهم يدركون أن ذلك سيُواجَه بقوة، ولكن ما المانع إذا كان ذلك هو ما سيعطيهم قبلة الحياة ويعيشوا على مظلومية جديدة؟ وهكذا طوال تاريخهم، عندما يشعرون بالهزيمة يفتعلون المظلومية التي تحافظ على بقاء مشروعهم حياً.

الوحيد الذي لم يستخدم الإخوان كفزّاعة، واستطاع بالفعل القضاء على الإخوان ومشروعهم، هو جمال عبد الناصر، ولولا إحياء السادات لمشروعهم كنا قد تخلصنا منهم للأبد. ولكن لا بد أن نتذكر أن نظام ناصر لم يقضِ عليهم بالتصدي لهم بالسجون رداً على عملياتهم الإرهابية فحسب، بل تصدى لهم بمشروع سياسي واجتماعي قوي جعل من مشروع الإخوان مجرد أوهام وخرافات تنتمي لماضٍ تعيس ومظلم.

صنع عبد الناصر مشروعاً سياسياً عنوانه استقلال القرار الوطني، والتصدي للاستعمار وأعوانه والأحلاف المتعاونة معه، وقاوَم الرجعية العربية، فصنع كرامة ومجداً للوطن، وحلماً قومياً لأبناء هذا الوطن في أن يكونوا دولة كبرى في المنطقة. وعلى التوازي صنع مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً جعل من العمال والفلاحين أصحاب الوطن، وصعدت الطبقة الفقيرة بكاملها – التي كانوا يتصدقون عليها قبل الثورة – بمشروع لمكافحة الحفاء، وكوّن هؤلاء الفقراء طبقة وسطى آمنة على مستقبلها ومستقبل أولادها وتعليمهم وصحتهم وفرص عملهم، التي ضمنتها لهم خطط تنموية حقيقية وطموحة وضعت مصر في مصاف الدول الناهضة في التصنيع والزراعة. فانحاز الناس له ولمشروعه، ووضعوا مشروع الإخوان تحت أقدامهم فاندثر وتلاشى، إلى أن أحياهم السادات، حاسبه الله، وعشنا حتى الآن في ظلال الخوف.

وماذا عن التيارات المدنية؟

هل معنى ذلك أن النظام والإخوان على مدار الخمسين عاماً السابقة هم المسؤولون عما آلت إليه الأحوال وحدهم، والتيارات المدنية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، لا تتحمل أي مسؤولية في كل ما حدث؟ وانا واحد منهم اتحمل معهم المسئولية ولا انزه او ابرئ نفسي.

بالطبع لهذه التيارات نصيب من المسؤولية، ناتج من تناحرها وعدم إدراكها لتوقيتات التعالي على الخلافات، والتركيز على الهدف الواحد، والالتفاف حول المتفَق عليه وتأجيل المختلَف عليه. إن غياب الرؤية الحاكمة التي توضح لهم ما هو تكتيكي وما هو استراتيجي كان ناتجاً من مراهقة سياسية وعدم نضج يتصف به بعض رجال ونساء هذه التيارات، ومما زاد الطين بلة أن من بينهم من اتخذ السياسة “سبوبة” مصالح، ناهيك عن قلة وعي وعدم عمق لبعض من يسمّون أنفسهم طلائع ومثقفين ومفكرين لهذا الشعب. ولكن للأمانة، مسؤولية كل هؤلاء ومعهم هذا الشعب الغلبان ليست كبيرة، لأن في أيدي من تآمر عليهم أدوات حاسمة، وورائهم قوى كبيرة تملك من المال والنفوذ والآليات ما يحسم المعركة.

هل لنا أن نحلم؟

وأخيراً أقول إن هذه الثنائية مرشحة، للأسف الشديد، لأن تسود وتستمر للسنوات القادمة، وتصادر إمكانية أي تغيير في المعادلة. أما الشعب نفسه بتياراته السياسية وقواه المجتمعية، فسيظل أسيراً لهذه الثنائية إلى أن يفعل الله أمراً كان مفعولاً، أو يخرج علينا هذا الشعب بإبداع جديد وغير مسبوق، ومن خارج كل الصناديق السابقة، وهذا ليس مستحيلاً، لأن هذا الشعب له معجزات يُذهل العالم بها، كما قال أحمد فؤاد نجم:

“حد فيهم كان يصدّق بعد جهل وبعد موت إن حسّ الشعب يسبق أي فكر وأي صوت”

فهل لنا أن نحلم؟ وهل لنا أن نتمنى من الفريقين أن يهدآ ويوفّرا علينا هذا الصداع، ما بين منطق الفريق الأول أن الثورة آتية لا ريب فيها، ومنطق الفريق الآخر وتحذيراته من المآلات الكارثية؟ نتمنى أن يتركوا هذا الشعب البائس يفكر كيف يدير حياته وسط عواصف عاتية وظروف قاسية غير مسبوقة، قد تسبب فيها كلا الفريقين.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

مجلس النواب
40 طلب إحاطة ولا قرار.. حملة الماجستير والدكتوراه في انتظار الخروج من قائمة الانتظار
927f459e-f500-4fb1-a66b-2f85a15b793d
أشرف عباس يحصد ماجستير إدارة الأعمال بتخصص ريادة الأعمال والابتكار
من ذاكرة التاريخ
من ذاكرة التاريخ
نادي طرابزون ونادي قاسم باشا
تعرف على موقف طرابزون من مشاركة محمد صلاح أمام قاسم باشا

أقرأ أيضًا

IMG_4077
خالد يوسف يكتب لـ"القصة".. في ظلال الخوف
محمد المنشاوي
صندوق النقد وصناعة الديون!
ايرين سعيد
إيرين سعيد عن والد طفلة الإسماعيلية: الفقر لا يبرر إهمال الأطفال
عمر فايد
عمر فايد.. من الدوري التركي إلى فروزينوني الإيطالي