دعت مصر مبكرًا إلى لمِّ الشمل العربي من خلال تأسيس الجامعة العربية، التي ضمت عند نشأتها ثماني دول هي، قمصر والسعودية وسوريا ولبنان والأردن واليمن، والتي وقّعت على ميثاق الجامعة في 22/3/1945م، ثم أصبحت مع مرور الوقت اثنتين وعشرين دولة.
وقد أُنشئت لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: تقريب العلاقات بين الدول الأعضاء وتقويتها، وتنسيق التعاون فيما بينها لحماية استقلالها وسيادتها، والنظر بوجه عام في شؤون ومصالح الدول الأعضاء. وقد بلغت الجامعة أوج نشاطها وازدهارها في الحقبة الناصرية، وانبثق عنها ما يقرب من ثلاثين منظمة واتحادًا في مجالات مختلفة تخدم المصالح العربية.
وقد مرت الجامعة منذ نشأتها بمحطات فاصلة تراوحت بين النجاح والإخفاق، والقوة والضعف، إلا أنها بدأت تُواجه في الآونة الأخيرة انتقادات واسعة من بعض النخب السياسية والثقافية في كثير من الدول الأعضاء، بل ومن بعض حكوماتها، وهي انتقادات تنوعت بين الصبغة الموضوعية والواقعية والحرص على المصالح القومية العربية، وبين أخرى اتسمت بنزعات شعوبية وتحريضية ووهمية تسعى إلى زرع بذور الفتنة والشقاق والتشتت.
والحق أن بيت العرب يحتاج إلى إعادة ترتيب في كثير من شؤونه، بعد أن بات في محيطه العالمي أشبه بسفينة تتلاطمها أمواج النزاعات والانقسامات والمؤامرات الداخلية والخارجية التي تهدد وصوله إلى مرافئ الأمن والأمان، ولعل النزاعات الداخلية هي الأخطر، إذ إن “الذئب يأكل الغنم القاصية”.
ولعل إيمان البعض بالسير على نهج “دولة ما بعد الأيديولوجيا” هو إيمان فيروسي وبائي من شأنه أن يقوض ما تبقى من معاني الوحدة في العقل الجمعي العربي. فمنذ خفوت صوت الأيديولوجيات أمام سيطرة قيم السوق والعولمة، اللذين يمثلان الوجهين القبيحين لدولة ما بعد الأيديولوجيا، بدأت قلة من دول الجامعة العربية تتبنى هذا النموذج، أو بعبارة أخرى (أُريد لها ذلك)، وهو لون من المروق العلني والخفي أيضًا، وقد أصبح واقعًا ونموذجًا قائمًا في بعض الدول، وإن كانت قليلة، إلا أنها قد تشكل مصدرًا قد تحتذي به دول أخرى عضوًا بعد عضو، حتى تتهاوى أركان الجامعة العربية، التي باتت في حاجة إلى مبادرة عربية سريعة لإنقاذها من الضياع.
ذلك لأن دولة ما بعد الأيديولوجيا تقوم بإزاحة ناعمة للقوميات وإقصائها، ثم اجتثاثها، في مقابل أن ترسم لنفسها واقعًا مغايرًا وتاريخًا مؤقتًا يقوم على أسس واهية مرهونة بظروف طارئة. إنها دولة تقتل الخطاب القومي الجماعي، وتدعو إلى المروق والعزلة والتفتيت، وتعمل على تربية شعوبها على النزعة الاستهلاكية، وقتل الأمل في نهضة قومية جامعة، وتجريد الإنسان من العقلية المفكرة والناقدة، وتغييب وعيه عن معنى الانتماء القومي، ليذوب في كل عنصر أجنبي معادٍ لقوميته، بل ويتخذه مثلًا وقدوة، كمن يحتفظ بحية رقطاء بين ثنايا جلبابه.
إن مثل هذه الدولة تنهض على رمال متحركة عبر زمن تقني لا يتم فيه التنافس حول تفعيل المُثُل والمبادئ، بل يتم فيه الصراع حول الثروات المادية، في مناخ عالمي عولمي لا تتكتل فيه الشعوب على المشترك الثقافي والتاريخي واللغوي والديني، وإنما تتكتل فقط على المصالح المادية السريعة التغير والتقلب.
ومن أخطر التحديات التي تواجه الجامعة العربية التهديد بالمروق من عضويتها عبر أصوات استلابية تكفر بالعروبة وبقومية العرب ووحدتهم، لتغري غيرها بنموذج “دولة ما بعد الأيديولوجيا”، التي تتخذ قراراتها المصيرية لا على أساس المصالح القومية العربية، بل وفق أهواء تُصنع خارج إطارها، وتخدم مصالح ضيقة، وتغتر بطفرة تقنية هيأتها لها قوى كبرى لأهداف عميقة الخبث.
ومن ثم، يجب على الزعامات العربية والنخب المثقفة والحكومات ذات التوجه القومي العروبي أن تنتبه وتتيقظ لهذا المأزق التاريخي الخطير، الذي يمثل نقطة تحول مفصلية في تاريخنا المعاصر، وذلك بالسعي الجاد لإصلاح شأن الجامعة العربية إصلاحًا شاملًا يقوم على الموضوعية والواقعية والعدالة، لتصبح منظمة إقليمية فاعلة في المجتمع العربي والدولي، في عصر يشهد حالة من السيولة في المنظمات الدولية، التي لا تحسب حسابًا إلا للأقوياء، لكنها “تستأسد” فقط على الأمم والقوميات ذات الإرادة الضعيفة.