تمثل الاضطرابات الجيوسياسية الراهنة منعطفًا حاسمًا في إعادة تشكيل استراتيجيات التسعير والتوزيع لقطاعَي الأسمدة والأسمنت.
ففي ظل تصاعد التحديات اللوجستية وارتفاع تكلفة الطاقة، وظّفت الشركات الكبرى هذه المتغيرات غطاءً استراتيجيًا لرفع الأسعار بوتيرة متسارعة.
وساهمت تعقيدات سلاسل الإمداد في تمكين تلك الكيانات من تعزيز هوامش أرباحها، مما ألقى بتبعات مالية ثقيلة على المستهلك النهائي وخطط التنمية.
توزيع عوائد اليوريا بين القطاعين الحكومي والخاص
تتوزع عوائد الارتفاعات القياسية في أسعار اليوريا بين الكيانات الحكومية والخاصة بنسب متفاوتة؛ وتسعى الشركات الحكومية إلى تقليص العجز في ميزانياتها، بينما يجني المستثمرون في القطاع الخاص أرباحًا رأسمالية سريعة عبر استغلال الفجوة بين السعر المدعوم والسعر الحر.
هكذا بدأ الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، حديثه مع “القصة”، مؤكدًا أن هذه الآلية تخلق تضاربًا في الأهداف الاقتصادية بين تلبية احتياجات صغار المزارعين وتحقيق ربحية الشركات.
الطاقة كدينامو للقفزات السعرية
تُعدّ الطاقة المحرك الأساسي لارتفاع الأسعار؛ إذ تعتمد صناعة الأسمدة كليًا على الغاز الطبيعي بوصفه مادة خام، كما تعتمد صناعة الأسمنت على الوقود والكهرباء لتشغيل الأفران. ويرى الشافعي أن انعكاس تكاليف الطاقة وتقلبات سعر الصرف على السعر النهائي للطن يُعدّ إجراءً حتميًا للشركات لضمان استمرارية الإنتاج في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
الجدل حول الرقابة الحكومية وآليات السوق
تخضع الأسواق لتوازن معقد بين الرقابة التنظيمية وآليات السوق؛ فبينما تفرض الحكومة سعرًا مدعومًا لنسبة من الأسمدة، يُترك الباقي للسوق الحر. وفي قطاع الأسمنت، أدى خفض الشركات لطاقاتها الإنتاجية إلى إثارة مخاوف بشأن وجود ممارسات احتكارية. ومن وجهة نظر الشافعي، فإن غياب التنافسية الكاملة يمنح الشركات قدرة غير مبررة على التحكم في مستويات العرض والأسعار.
مرونة التصدير وتمرير التكلفة للمستهلك
تمتلك الشركات قدرة عالية على “تمرير التكاليف” إلى المستهلك النهائي، مع الاستفادة من عوائد التصدير بالدولار التي تعوض تراجع الطلب المحلي.
وأشار الشافعي، إلى أن هذه الدورة الاقتصادية تضع العبء الأكبر، في نهاية المطاف، على كاهل القطاعين العقاري والزراعي، مما يؤدي تبعًا لذلك إلى ارتفاع أسعار المحاصيل الغذائية وتضرر المواطن البسيط.
مسارات أرباح الشركات والانتقادات المجتمعية
تُوجَّه أرباح الشركات إلى سداد الديون وتمويل أعمال الصيانة، كما تذهب نسب منها حوافز ومكافآت لمجالس الإدارة والعاملين. وعلى الرغم من قانونية هذه الإجراءات، اختتم الشافعي، بأنها تثير انتقادات مجتمعية حادة نظرًا للتفاوت الكبير بين هذه التوزيعات والضغوط المعيشية المتزايدة التي يواجهها المواطن العادي، مما يضع الشركات أمام تحدي المسؤولية الاجتماعية في ظل الأزمات.
أسباب ارتفاع الأسعار وتداعياتها
وفي سياق متصل، أوضح حمدي الجمل، الخبير الاقتصادي، لـ”القصة”، أن ارتفاع أسعار الأسمنت واليوريا يعود بشكل أساسي إلى الأزمات الجيوسياسية العالمية، ولا سيما التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب عليها من إغلاق مضيق هرمز والتأثير في كميات الغاز المصدَّرة عالميًا.
ونظرًا لاعتماد صناعتَي الأسمنت والأسمدة بدرجة كبيرة على الغاز بوصفه وقودًا أساسيًا، فإن ارتفاع سعره يُعدّ أمرًا طبيعيًا ناتجًا عن هذه الظروف الدولية والمحلية المحيطة بالمنطقة.
طبيعة الركود التضخمي
كما أشار الجمل إلى أن “الركود التضخمي” ليس مجرد انعكاس لارتفاع سعر سلعة واحدة، كالأسمنت، بل هو نتاج منظومة معقدة من المشكلات. ويتمثل ذلك في ارتفاع معدلات تضخم أسعار المستهلكين في مختلف السلع، إلى جانب عدم قدرة الدولة المصرية حاليًا على خلق مشروعات جديدة تسهم في زيادة الرواتب وخلق فرص عمل حقيقية، وهو ما يفاقم الحالة الاقتصادية الراهنة.
حقيقة الشعارات والأسعار
كما نفى الجمل، أن تكون شعارات “توفير سكن ملائم” مجرد حبر على ورق، مؤكدًا أن السوق المصرية تأثرت بشكل كبير بتقلبات سعر الصرف، موضحًا أن الزيادات في تكاليف البناء زيادات حقيقية وليست مصطنعة، نظرًا لتعقيد الأوضاع الاقتصادية وعدم وجود تكلفة حقيقية محددة للسلع؛ إذ تسهم الدولة والقطاع الخاص في تحديد هذه الأسعار وفقًا لمعطيات السوق المتغيرة.
مستقبل قطاع العقارات والتعثر
وفيما يخص تأخر تسليم المشروعات العقارية وموجة تعثر شركات المقاولات، أكد الخبير الاقتصادي، أن ذلك لا يرتبط فقط بأسعار الأسمنت أو الغاز، بل بسياسات أوسع، وبغياب رؤية واضحة للاستثمار في الإسكان المتوسط والشعبي.
واختتم، حديثه مؤكدًا أن التركيز الحالي على المشروعات الفاخرة لا يخدم الشريحة العريضة من الشعب المصري، مشددًا على ضرورة تغيير أولويات الدولة في البناء بما يلائم احتياجات الفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط.