في صباح يوم الثلاثاء، 30 يونيو 2026، خرج علي من منزله قبل موعد عمله كعادته، لكن هذه المرة لم يكن يحمل بطاقة صرف معاش والدته فقط، بل كان يحمل معها أملًا صغيرًا. قبل أن يغلق باب المنزل، أوصته والدته قائلة: “ما تنساش.. المعاش زاد 15%”. بالنسبة لها، لم تكن الزيادة مجرد أرقام، بل فرصة لتدبير احتياجات الشهر بشيء من الراحة.
داخل مكتب البريد المصري، وقف علي بين عشرات من أصحاب المعاشات ينتظر دوره. دقائق مرت، ثم تسلم المبلغ. أخرج النقود، وعدّها مرة، ثم أعاد عدّها مرة أخرى، وكأنه ينتظر أن يظهر المبلغ الناقص بين الأوراق. لكن المفاجأة كانت أن المعاش لم يزد ولو جنيهًا واحدًا.
“مفيش زيادة”
قال علي، في حديثه مع “القصة”: “كل شهر أنا اللي بروح أصرف معاش والدتي، وكنت متأكد إن المرة دي هيكون فيه زيادة. لكن لما لقيت المبلغ زي ما هو، استغربت جدًا”.
لم يحتفظ علي باستغرابه لنفسه، فالتفت إلى أحد الواقفين بجواره وسأله: “حضرتك نزلت لك الزيادة؟”. أجابه الرجل: “آه.. بس 13% مش 15%”. في تلك اللحظة، أدرك علي أنه ليس الوحيد الذي خرج وهو يحمل علامات استفهام.
وعلى بعد خطوات، كان عم أحمد يقف ممسكًا بهاتفه المحمول، يضغط على آلة حاسبة صغيرة، يعيد الحساب مرة تلو الأخرى، وكأنه يرفض تصديق النتيجة.
زيادة 11% فقط
قال عم أحمد لـ”القصة”: “معاشي الأساسي 6000 جنيه، وبعد الزيادة المفروض يبقى 6900 جنيه. لكن لما صرفته لقيته 6660 جنيهًا، يعني الزيادة 11% فقط، مش 15%”.
وأضاف بحسرة: “المعاش أصلًا مش مكفي، وكنا بنقول الزيادة يمكن تساعدنا حتى لو بحاجة بسيطة. لكن لما تكتشف إنها أقل من اللي اتقال، بتحس إن الأمل نفسه اتخصم”.
حيرة بسبب المعاش
وفي ركن آخر، كان هاني يتنقل بين الواقفين، يسأل كل من انتهى من صرف معاشه السؤال نفسه: “الزيادة نزلت كاملة؟”. لم يكن يبحث عن إجابة تخصه وحده، بل كان يحاول فهم ما حدث بعدما اكتشف أن معاش والده لم يشهد سوى جزء من الزيادة المستحقة.
قال هاني: “كنت عارف قيمة الزيادة المفروض تبقى كام، لكن بعد الصرف لقيتها حوالي 7% فقط. سألت الموظفين والناس، ومحدش كان عنده تفسير. وبعد شوية اكتشفت إن في ناس ماخدتش أي زيادة، وناس تانية الزيادة عندها أقل من 15%”.
مشاهد متشابهة تكررت داخل أكثر من مكتب صرف؛ وجوه يغلب عليها الاستغراب، وآلات حاسبة تعمل، وأحاديث لا تنقطع بين أصحاب المعاشات، بينما السؤال واحد: أين ذهبت الـ15% التي أُعلن عنها؟
طريقة احتساب الزيادة
ويرى الدكتور إلهامي الميرغني، الخبير الاقتصادي، أن تفسير ما حدث يرتبط بطريقة احتساب الزيادة، وليس بالضرورة بنقص قيمتها.
وفي تصريحات خاصة لـ”القصة”، قال الميرغني: “المشكلة في طريقة حساب العلاوة. فعند احتساب نسبة الـ15% بعد خصم قيمة علاوتين بإجمالي 600 جنيه، تبدو الزيادة الفعلية أقل، وقد يراها البعض في حدود 13% أو 14%”.
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن المشكلة الأكبر لا تتعلق بالنسبة فقط، وإنما بالقيمة الحقيقية للزيادة في ظل ارتفاع الأسعار، موضحًا أن التضخم قد يلتهم أي زيادة يحصل عليها أصحاب المعاشات، لتتراجع قدرتهم الشرائية رغم زيادة قيمة المعاش على الورق. ويشير إلى أن قياس أثر الزيادة الحقيقي يكون بما يستطيع صاحب المعاش شراءه من سلع أساسية، وليس بقيمة الزيادة وحدها.
وأكد أن الهيئة تطبق معادلة الزيادة وفقًا للقانون، لكن المواطن قد لا يشعر بأثرها إذا استمرت الأسعار في الارتفاع، مشددًا على أن استقرار أسعار الأدوية والسلع الأساسية والإيجارات هو ما يصنع الفارق الحقيقي لأصحاب المعاشات.
خطأ سيستم
ومن جانبه، أكد الدكتور مجدي البدوي، نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، أن إضافة نسبة 15% إلى المعاش الأساسي أمر ينظمه القانون ولا يجوز التلاعب به.
وقال البدوى، لـ”القصة”: “إذا كان هناك خطأ، فمن المرجح أن يكون في السيستم، وليس نتيجة تدخل بشري، لأنه لا يمكن صرف زيادات متفاوتة مثل 10% أو 11% أو 12% بدلًا من 15%.”
ودعا كل من حصل على زيادة أقل من المقررة، أو لم يحصل عليها من الأساس، إلى التوجه لمكتب التأمينات الاجتماعية التابع له، وتقديم شكوى لمراجعة حالته، مع ضرورة أن تراجع الجهات المختصة ما تم صرفه، والتأكد من مطابقته لما نص عليه القانون.
وبين تفسير اقتصادي يرى أن طريقة الاحتساب قد تجعل الزيادة تبدو أقل، وتفسير آخر يرجح وجود أخطاء في النظام الإلكتروني، بقي أصحاب المعاشات عالقين بين الأرقام والواقع. بالنسبة لهم، لم تكن الـ15% مجرد نسبة معلنة، بل كانت أملًا في مواجهة موجة غلاء لا تهدأ. لذلك، يبقى السؤال الذي تردد داخل مكاتب الصرف قبل أن يصل إلى الجهات المعنية: أين ذهبت الزيادة التي انتظرها أصحاب المعاشات؟