لم يكن الأطفال الثمانية الذين لقوا حتفهم في حادث تصادم سيارتي نقل بطريق الدواويس في الإسماعيلية، صباح الثلاثاء، مجرد ضحايا لحادث سير مروع، بل كانوا جزءًا من مشهد أكبر لا يظهر إلا بعد وقوع الكارثة: أطفال في سوق العمل الزراعي، يتحركون إلى أراضٍ بعيدة، عبر طرق سريعة وصحراوية، في قطاع يعمل كثير منه خارج مظلة الرقابة والتأمين والحماية.
الحادث، الذي أسفر عن وفاة نحو 18 شخصًا وإصابة 31 آخرين، لم يفتح فقط ملف سلامة وسائل نقل العمال الزراعيين، وإنما أعاد طرح ما هو أقوى، فعلى الورق، تبدو الحماية واضحة؛ تشريعات تحدد سن العمل، وتضع ضوابط لتشغيل الأطفال، وتجرّم بعض صور استغلالهم، لكن على الأرض، يبدو المشهد مختلفًاـ، فنجد عمالة زراعية غير منتظمة، وأطفال يعملون في مناطق استصلاح بعيدة، ووسائل نقل تحمل العمال إلى أماكن عملهم، ورقابة يصعب أن تصل إلى قطاع تتداخل فيه علاقة العامل بالمقاول وصاحب الأرض.
وبينما تتحرك الدولة بعد الكارثة لتقديم الرعاية للمصابين وصرف التعويضات لأسر الضحايا، يظل السؤال الأصعب بلا إجابة: هل المشكلة في غياب القانون، أم في قانون موجود لا يصل إلى الأرض؟
في تصريحاته لـ “القصة” قال الدكتور عمرو هاشم ربيع، إن حادث الإسماعيلية الذي أسفر عن وفاة نحو 18 شخصا تقريبا، بينهم 8 أطفال، لا يمكن النظر إليه كحادثا فرديا، وإنما يكشف عن مشكلات عديدة مرتبطة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي في الدولة المصرية، والذي دفع أطفالا إلى الخروج للعمل والإعالة، والتعرض لهذه المأساة تحت سمع وبصر الحكومة.
وأضاف ربيع أن ما حدث لا يعد سلوكا فرديا، وإنما هو سلوك عام مرتبط بعدم الرقابة، وعدم قيام الدولة بدورها الاجتماعي تجاه عدم المساواة، مشيرًا إلى وجود عدم مساواة في توزيع الخدمات، وكذلك في الرعاية الاجتماعية.
وحول المسؤولية السياسية عن وصول الأطفال إلى العمل في ظروف غير آمنة، حمل ربيع المسؤولية لرئيس الدولة، باعتباره المسؤول عن إدارة شؤون الدولة، قائلًا: “مش هو المسؤول عننا؟”.
كما أوضح ربيع أن المشكلة الأساسية لا تكمن في التشريع، وإنما في التنفيذ والرقابة عليه. مؤكدا إن القانون موجود ويتضمن مواد جيدة لعمالة الأطفال، لكن التنفيذ والرقابة على التنفيذ قاصرة جدا.
و دعا ربيع إلى مساءلة رئيس الوزراء، باعتباره المسؤول الذي يمكن مساءلته من خلال أجهزة المحاسبة السياسية، وعلى رأسها البرلمان، عن هذا العمل.
و قالت المحامية زينب خير لـ “القصة” إن الأطفال الذين كانوا ضمن ضحايا حادث الإسماعيلية، إذا ثبت أنهم دون السن القانونية، فإن تشغيلهم يخالف القواعد المنظمة لعمل الأطفال، موضحة أن سن العمل وفقا لقانون العمل هو 15 سنة، وفي بعض الأعمال غير الخطرة يمكن السماح للأطفال بالتدريب، وليس العمل، وفق شروط معينة، تتضمن إخطار مكتب العمل ووجود عقد بين الطفل وصاحب العمل يسمى عقد تدريب أو تدرج مهني، وتسجيله في مكتب العمل، وحصول الطفل على كارنيه.
وأضافت خير أنه حتى في حالة بلوغ الطفل السن القانونية، فإن تشغيله له شروط وضوابط، متسائلة: “هل الأطفال دي مبلغ بيهم في مكتب العمل؟” كما تساءلت عن تعرضهم للخطر نتيجة انتقالهم في طرق سفر أو طرق صحراوية، مؤكدة أن هناك أطفالا تحت السن القانونية، وأن قانون العمل يفرض غرامة على صاحب العمل، لكن دون عقوبة رادعة.
وأشارت خير إلى تكرار هذا النوع من الحوادث، نتيجة أن طبيعة العمل الزراعي تجعل العمال لا يخرجون بشكل فردي، وإنما تتحرك أسر كاملة معا، فيخرج الإخوة وأولاد الخالة وأولاد العم مع بعضهم، وبالتالي.
وربطت خير تزايد هذه الحوادث بتغير أماكن العمل الزراعي، موضحة أن الرقعة الزراعية الكبيرة انتقلت من زمام القرى إلى أراضي الاستصلاح الموجودة في المناطق الجديدة، سواء التابعة لأفراد أو شركات أو مصانع. وقالت إن انتقال العمل إلى هذه المناطق جعل العمال مضطرين إلى استخدام الطرق السريعة للوصول إلى أماكن العمل، وهو ما يمثل جزءا من الخطر الذي تتعرض له العمالة الزراعية غير المؤمّن عليها.
وأضافت: “أي عمالة حتى لو.. حتى لو كانوا قانونيين، لازم المقاول يدفع تأمين عن كل عملية زي عمال البناء. هل عمال الزراعة دول مالهمش أصحاب؟ ليه اللي بيحصل مع عمال البناء بيتحظر مع عمال الزراعة؟”.
و أضافت خير إن “العمالة الزراعية بصفة عامة ما فيش رقابة عليها”، مضيفة أنه بالنسبة للأطفال لا توجد عقوبة على صاحب العمل سوى الغرامة. وأوضحت أن الأزمة لا تتوقف عند ضعف العقوبة، وإنما تمتد أحيانا إلى صعوبة معرفة صاحب العمل من الأساس.
وأكدت خير إنه حتى في حال اكتشاف عمل الأطفال لدى بعض أصحاب العمل، تظل في إطار الغرامة، وهو ما لا يمثل رادعًا حقيقيًا، مؤكدة ضرورة وجود عقوبة أشد، و أن العقوبة في مثل هذه الحالات لا ينبغي أن تظل مجرد مخالفة لقانون العمل.
وأكد على ضرورة اهتمام الدولة بهذا القطاع ما قد يساعد في تقليل الضرر الواقع على العاملين فيه.
وأضافت زينب خير إن العمالة الزراعية تمثل جزءا أساسيا من الأمن الغذائي، مضيفة: “الناس دي اللي بتأكلنا، دول الناس المسؤولين عن أمننا الغذائي وعن أكلنا، الناس اللي بتطلع تجمع الزرع دي الناس المسؤولين عن أكلنا، لازم يتم رعايتهم وحمايتهم”.
وشددت على ضرورة ألا تنتظر الدولة وقوع الحوادث والوفيات للتحرك، داعية إلى أن يتحول اهتمام الدولة بالحادث وصرف التعويضات إلى تحرك أوسع لتنظيم قطاع العمالة الزراعية وحمايته، قائلة إن توجيه الرئيس إلى صرف التعويضات ينبغي أن يتبعه توجيه للمسؤولين وصناع القرار إلى تنظيم هذا القطاع وحمايته بشكل حقيقي.
من جانبه صرح النائب حسام حسن لموقع “القصة” إن مشكلة عمالة الأطفال في مصر ليست مشكلة مجلس النواب، وإنما مشكلة حكومة، مشيرا إلى أن وجود قوانين وتشريعات تمنع تشغيل الأطفال وتحميهم، إلى جانب العديد من طلبات الإحاطة المقدمة إلى الحكومة بشأن ملف عمالة الأطفال، وأن عددا كبيرا من النواب تحدثوا في هذا الملف، ومن بينهم النائبة أميرة العادلي. مضيفا: “في الآخر السلطة التنفيذية بتعمل إيه؟ السلطة التنفيذية مابتعملش حاجة! إحنا بنسن التشريعات والقوانين والسلطة التنفيذية لا تنفذها”.
وأشار حسن إلى أن ملف عمالة الأطفال في مصر، إذا تمت مناقشته بجدية، وتمت مراجعة دور وزارة القوى العاملة في التعامل مع الملف، فإن “الحكومة دي لازم تقدم استقالتها بكرة الصبح”.
وأكد حسن أنه إذا كانت هناك مسؤولية سياسية عن استمرار أزمة عمالة الأطفال، فإن رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي “لازم يقدم استقالته بكرة الصبح”.
وأضاف حسن أن ملف عمالة الأطفال في مصر ملفا مفتوحا وممتدا، ورغم ذلك لا تزال عمالة الأطفال مستمرة، دون وجود رادع لها، مضيفًا أن وزارة العمل لا تقوم بدورها.
وحول الإجراءات اللازمة لمنع تكرار واقعة حادث الإسماعيلية، أكد النائب حسام حسن إن الحل يتمثل في قيام لجان العمل ووزارة العمل والمجالس القومية المتخصصة للأمومة والطفولة بدورها في مكافحة عمالة الأطفال، إلى جانب تجريم وتطبيق القانون.
وشدد على أن “عمالة الأطفال مجرمة”، متسائلًا: “هل في مزارع لقينا فيها أطفال بتتعامل وتم تحرير قضايا ضدها؟”.
وأكد حسن على أن تطبيق القانون هو السبيل لتحقيق الردع، قائلًا: “لما يتنفذ القانون يحصل الرادع”.