بمقدار ما فجر بيان الحركة المدنية عن “قصر أكمل قرطام” جدلا صاخبا، وبقدر الخلافات التي نشبت بين أطياف سياسية معارضة، كنت أنظر إلى الحكاية بنظرة أوسع، أتأمل ما جرى وما سيجري، فأحيانا تكشف أزمة صغيرة ما لا تكشفه عشرات المؤتمرات والبيانات، بيان واحد كان كافيا، بيان خرج باسم الحركة المدنية الديمقراطية، ثم خرجت أحزاب وقوى من داخل الحركة نفسها لتقول إنها لا تعرفه، أو لم تشارك في صياغته، أو لم توافق عليه، ففجأة لم يعد السؤال فقط: هل البيان صحيح أم خاطئ؟ بل: من كتب البيان أصلا؟ ومن يتحدث باسم من؟ كنت أنظر إلى ردود الأفعال على البيان العجيب كأني أنظر إلى المرآة فأكتشف شروخا قديمة لم يكن يراها أحد.
الحقيقة أن الأزمة أكبر من الحركة المدنية نفسها، أكبر كثيرا، فما جرى ليس سوى عرض لمرض أعمق يضرب السياسة منذ سنوات، مرض اسمه التآكل، فلا حياة سياسية حقيقية يمكنها أن تنمو في مناخ من الخوف والقيود، ولا يمكن أن ننتظر عملا سياسيا جادا وسط مناخ سياسي مغلق بهذا الشكل، هذه ليست مشكلة حزب بعينه، وليست مشكلة الحركة المدنية وحدها، إنها مشكلة المجال العام كله.
على مدى سنوات طويلة، تقلصت مساحات السياسة حتى كادت تختفي، تراجعت الأحزاب وانكمش المجتمع المدني وحوصر الإعلام بشكل غير مسبوق، غادر كثير من الشباب المشهد، بعضهم إلى الإحباط، وبعضهم إلى الصمت، بدت المأساة الحقيقية، في تقديري، ليست اختلاف الأحزاب، فالاختلاف صحي، وليست البيانات التي تثير الجدل، فالجدل جزء من السياسة، المأساة أن السياسة نفسها أصبحت نادرة، حتى الجدل العام نفسه حول القرارات والمواقف اختفى، وكل المهتمين بالحياة العامة خارج المجال العام تقريبا، ظهور جيل سياسي جديد بات حدثا استثنائيا لا قاعدة طبيعية، الأحزاب تحولت بالتدريج من مؤسسات للتنافس وتقديم البدائل إلى كيانات تكافح فقط من أجل البقاء.
لهذا بدا مشهد الحركة المدنية مؤلما، لأنه لم يكشف فقط عن أزمة تنظيمية أو خلاف داخلي، بل كشف حجم الفراغ، كشف أن السياسة المصرية لم تعد تنتج ما يكفي من الكوادر الجديدة، ولا ما يكفي من الأفكار الجديدة، ولا حتى ما يكفي من الأمل في الغد، وهنا يكمن الخطر! فالناس تدخل السياسة لأنها تؤمن بالتغيير والتطوير والإصلاح، ومع كل القيود والحصار الذي فرض على السياسة ابتعد الجميع فبدا المشهد بهذا الشكل، اليوم لا يبدو الحديث عن إصلاح الحياة السياسية رفاهية أو مطلبا نخبويا، بل ضرورة وطنية ملحة وعاجلة، فلا سياسة بلا حرية، ولا أحزاب قوية بلا مجتمع مدني قوي، ولا أجيال جديدة تدخل المجال العام إذا كانت الأبواب مغلقة أو شبه مغلقة.
اليوم مصر تحتاج إلى سياسة أكثر حيوية، أكثر شبابا وتنوعا، تحتاج إلى قوانين تفتح النوافذ، وإلى مناخ يسمح للناس بالتنظيم والاختلاف والعمل والحلم، أما الدرس الذي تركته أزمة الحركة المدنية، فهو أن المشكلة ليست فقط في بيان كتب رغم هزليته، المشكلة أن السياسة نفسها تحتاج إلى إنقاذ، فزلزال الحركة المدنية لم يكن سوى اهتزاز صغير كشف المجتمع بالكامل.