في عشق مصر، ومتابعة وتشجيع الكرة العربية في كأس العالم 2026، يسهر أهل غزة الليل تحت القصف، ووسط استمرار تحليق الطائرات بأنواعها في سماء القطاع الملبدة بالموت ووسط الإبادة؛ لكي يتابعوا مباريات المنتخب المصري “الفراعنة” في المونديال، في الساحات العامة أو على شاشات الهواتف داخل خيام النزوح أو في المقاهي المتبقية، يهللون ويفرحون لكل هدف أو انتصار لمصر العروبة، متناسين للحظات دوي الانفجارات حولهم ورائحة الموت.
ليس جديداً على الشعب الفلسطيني متابعته وتشجيعه للرياضة المصرية والعربية، وتحديداً كرة القدم؛ فهم يشجعون قطبي الكرة المصرية، الزمالك والأهلي، منذ القدم، بعصبية وشغف يفوق أحياناً عصبية التشجيع في شوارع القاهرة نفسها. ولن ينسى سكان قطاع غزة يوماً تلك اللحظة التاريخية حين زار نادي الزمالك قطاع غزة في 29 أبريل 2000، والتقى بمنتخب فلسطين على في افتتاح ملعب فلسطين بمدينة غزة، والخفاوة التي استقبلوا بها رسمياً وشعبياً، وكيف اهتزت المدرجات بهتافات الجماهير التي شجعت الزمالك وحفظت أسماء لاعبيه عن ظهر قلب، في مشهد جسد لحمة الدم والهوية.
هذا العشق لم يتوقف لمصر العروبة وأنديتها حتى في أتون حرب الإبادة، فالعالم شاهد عبر البث المباشر توثيق عدسات الكاميرات لمشاهد انتشال أجساد غضة لشهداء أطفال وشبان من تحت ركام منازلهم المدمرة، وهم يرتدون قمصان أنديتهم المصرية المفضلة، في مشهد تدمى له القلوب امتزج الدم الفلسطيني الطاهر بالخطين الحمر على قميص نادي “الزمالك” الأبيض، وشوهد جرحى مبتورو الأطراف على أسرة المستشفيات يرفضون التخلي عن قمصان “الأهلي” أو المنتخب المصري، الممزقة بفعل شظايا الموت؛ في دلالة قاطعة على أن الفلسطيني يُقتل ويُبتر وهو متمسك بشغفه وعروبته حتى الرمق الأخير.
لكن هذا الشغف الطاغي لم يرق لآلة الإبادة الإسرائيلية، التي قررت أن تقتل اللعبة وتغتال لاعبيها وتدمر ملاعبها، حيث استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي المنشآت الرياضية الفلسطينية واغتالت اللاعبين الفلسطينيين، ومنعتهم من الحركة والسفر لغرض تمثيل فلسطين، وتسببت بالأذى الحسدي لهم، واعتقلتهم وعذبتهم. وأمام مناظر الشغف الفلسطيني الكبير بكرة القدم والكرة المصرية والعربية، نوضح للعالم أن الاحتلال حارب في خضم حرب الابادة حتى الشغف:
أولاً: بلغ عدد الشهداء من الأسرة الرياضية الفلسطينية في قطاع غزة وفق التقارير الرسمية حوالي 1.007 شهداء، وكان لكرة القدم النصيب الأكبر، حيث استُشهد نحو 500 لاعب ومدرب وحكم. والكثير من الفتية والشبان ارتقوا وهم يحلمون بأن تطأ يوماً عشب الملاعب الكبرى، لكن طائرات الاحتلال حولت أجسادهم – التي كانت تتزين بقمصان أنديتهم المفضلة – إلى أشلاء.
ثانياً: تسبب القصف الاسرائيلي العشوائي والمنظم في إحداث إعاقات دائمة وبتور في الأطراف لدى الرياضيين الفلسطينيين، حيث أُصيب مئات الرياضيين بجراح معقدة، وسُجلت عشرات الحالات لبتر الأطراف السفلية والعلوية بين لاعبي كرة القدم. وفي أروقة المستشفيات المتهالكة، تجد لاعبين فقدوا أقدامهم، لكنهم ما زالوا يرتدون “فانلة” ناديهم المصري المفضل، ليستمدوا منها القوة. وفي هذا السياق انضم حوالي 34 لاعباً جديداً فقدوا أطرافهم مؤخراً لجمعية فلسطين لكرة القدم “البتر”.
ثالثاً: طالت حملات الاعتقال عشرات الرياضيين الفلسطينيين، مع استمرار توقيفهم لأكثر من 29 رياضياً في سجون الاحتلال وسط ظروف قاهرة، وتعذيب منافٍ للأعراف والمواثيق الدولية، بل أصبحوا يتباهون به في ظل إشراف المتطرف “بن غفير” على المعتقلات.
رابعاً: دمرت قوات الاحتلال الاسرائيلي أكثر من 289 منشأة رياضية خلال حرب الإبادة، حيث دمرت ملعب فلسطين الذي احتضن يوماً نجوم الزمالك وهتافات الغزيين لهم، ودمر ملعب اليرموك وحوله في فترة ما إلى مركز تنكيل واعتقال قبل أن يُسوى بالأرض. أما المساحات المتبقية من الملاعب والمنشآت فقد تبدلت فيها هتافات الجماهير الرياضية بأنين مئات الآلاف من النازحين في الخيام.
يظل الصمت المريب للمجتمع الدولي والمؤسسات الرياضية الدولية “كالفيفا واللجنة الأوليمبية الدولية” أمام تصفية الرياضة الفلسطينية واستهداف الرياضيين الفلسطينيين، وصمة عار تاريخية على جبين الإنسانية. ورغم هذه الإبادة الشاملة، سيبقى الشغف الفلسطيني بالرياضة وكرة القدم والكرة المصرية والعربية عصياً على الانكسار. فإن الطفل الذي يُنتشل من تحت الأنقاض بقميص الزمالك أو الأهلي، واللاعب المبتور الذي يهتف لمصر من داخل خيمته البالية، وتلك الحشود التي تهتف لمصر أو المغرب أو الجزائر أو الأردن أو السعودية من وسط عتمة الإبادة، ستبقى وفية للتاريخ وللحلم، وسنثبت للعالم أجمع أن قوات الاحتلال الاسرائيلي تستطيع قصف الملاعب وبتر الأطراف، لكنها لن تستطيع أبداً قتل الشغف أو بتر جذور العروبة وإرادة الحياة في قلوب ولدت لتحيا وتنتصر.