بعد سبع سنوات من “المنفى العسكري” واستبعاد أنقرة من برنامج المقاتلة الأحدث في العالم (F-35)، يبدو أن مياه التفاوض بدأت تجري من جديد في القنوات المغلقة بين واشنطن وأنقرة.
تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتفائلة، والتي واكبتها إشارات “إنتاجية” من السفير الأمريكي، تفتح الباب أمام سؤال استراتيجي: هل اقتربت لحظة “الاختراق”؟ وهل يمكن لتركيا أن تجمع بين “درع روسيا” (S-400) و”سيف أمريكا” (F-35)، أم أن شروط البيت الأبيض ستجبر أنقرة على اختيار معسكر واحد؟
لماذا تُعرقل واشنطن الصفقة؟
يرى المحلل السياسي التركي، فراس رضوان أوغلو، أن القضية تتجاوز مجرد خلاف تقني حول منظومة دفاع جوي، ففي حديثه الخاص لـ “القصة”، يوضح أن الولايات المتحدة كانت تخشى إعطاء تركيا “قوة إضافية” تجعل منها قوة عظمى لا يمكن السيطرة عليها فامتلاك منظومة S-400 الروسية بجانب مقاتلات F-35 الأمريكية يخلق تفوقاً نوعياً قد يخل بـ “توازن القوى” في المنطقة، وهو الأمر الذي لا يناسب إسرائيل بأي حال من الأحوال واشنطن أرادت أيضاً إعطاء “درس” لحلفائها بأن الخروج عن الطاعة الأمريكية في صفقات التسليح له ثمن باهظ.
تركيا كـ “قوة استقرار” في بحر من الأزمات
يقول أغلو أنه في ظل المتغيرات المتسارعة في المنطقة، من الحرب الإيرانية-الأمريكية إلى الصراعات في شرق المتوسط وأزمة سد النهضة والتوترات الخليجية، تحاول أنقرة إعادة تقديم نفسها كـ “لاعب استقرار”.
ويشير رضوان أوغلو إلى أن تركيا تريد إقناع واشنطن بأن عودة برنامج F-35 هي ضرورة استراتيجية للولايات المتحدة أيضاً فتركيا هي الحليف الذي يوازن القوى في منطقة تموج بالخلافات المصرية-الإسرائيلية، التركية-الإسرائيلية، والخلافات الخليجية البينية.
الفوبيا الإسرائيلية من “الشبح” التركي
تأثير عودة F-35 لتركيا يقع كالصاعقة على الحسابات الإسرائيلية ويوضح المحلل التركي أن إسرائيل تشعر بخطر حقيقي من صراع استراتيجي مع تركيا، خاصة في ظل حكومات يمينية متطرفة ورغم أن الصدام العسكري المباشر مستبعد، إلا أن التفوق الجوي التركي يغير قواعد اللعبة.
ويضيف أوغلو أن “الكيمياء الخاصة” بين ترامب وأردوغان قد تكون هي المفتاح فترامب يميل لتحقيق مطالب أردوغان مقابل أدوار استراتيجية تركية، كما ظهر في الموقف التركي “المحايد والذكي” خلال الحرب الإيرانية الأخيرة.
عقدة الـ S-400: هل خانت أنقرة موسكو؟
أضاف أغلو أنه تبقى العقدة الكبرى هي المنظومة الروسية فبينما تصر واشنطن على التخلص منها كشرط للعودة للبرنامج، تدرك أنقرة أن أي تراجع قد يُفسر في موسكو كـ “خيانة” أو انقلاب على التفاهمات لكن التفاؤل التركي الحالي يشير إلى وجود “صيغة ما” ربما تتضمن تخزين المنظومة أو تجميدها، دون التخلي الكامل عنها، مقابل استعادة مكانة تركيا داخل منظومة الناتو الصناعية والعسكرية.
عودة F-35 لتركيا ليست مجرد صفقة شراء طائرات إنها شهادة ميلاد جديدة للعلاقات التركية الأمريكية في “عصر ترامب الثاني” فبين رغبة أردوغان في استعادة مكانة بلاده كقوة إقليمية مهيمنة، وحاجة واشنطن لحليف قوي ومستقر في منطقة تشتعل بالحروب، تبقى الأيام المقبلة هي الحكم: هل تنجح “دبلوماسية الصفقات” في تفكيك لغز الـ S-400، أم أن “الشبح الأمريكية” ستظل بعيدة عن المطارات التركية خوفاً من إزعاج الحليف الإسرائيلي؟