يبدو أن مشروعي قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين والمسلمين (قانون الأسرة) اللذين ظهرا على عجل بعد توجيه رئيس الجمهورية بسرعة الفصل في قوانين الأحوال الشخصية، أتوا برسالة واضحة تستدعى الوقوف والتأمل فيما آل إليه الأمر.
يعتبر مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر هو أول قانون موحد ينظم شؤون الأسرة للطوائف المسيحية الست “الأقباط الأرثوذكس، السريان، الروم، الأرمن الأرثوذكس، الإنجيليين، والكاثوليك”.
وافق عليه مجلس الوزراء في أبريل 2026، وهو يجمع القواعد السابقة المبعثرة في لوائح متعددة، فتوحيد الأحكام غير العقائدية، مثل الحضانة والنفقة جاء متوافقًا مع الكنائس المصرية، بعيدًا عن كل نقاش مجتمعي للمسيحيين ومنظماتهم المعنية بحقوقهم.
أما قانون الأحوال الشخصية للمسلمين فقد جاء في ظل صراع على مجموعة من الحقوق اكتسبتها النساء في معاركهن المختلفة، ويحاول التيار المحافظ في مصر انتهاك تلك الحقوق وسلبها تحت مزاعم عدة، أهمها: استقرار الأسرة في ظل تزايد حالات الطلاق في مصر، والمحافظة على قيم الأسرة المصرية، ومصلحة الطفل الفضلى على حد زعمهم.
وجاء المشروع متوافقًا مع تلك المزاعم، ومؤكدًا على تجاهله العمدي لكل ما تعانيه المرأة في مصر، وغير متوافق مع التطورات التشريعية في العالم، خاصة في دول المنطقة قريبة العهد بالنظم التشريعية كالبحرين والكويت، التي تجاوزت تلك المشروعات كل التطورات لتصل إلى مشروع أقرب للعدالة، يتحدث عن الثروة المشتركة، بخلاف الدولة التي نشأت تشريعاتها منذ مئات السنين واستقرت في أحكام محاكمها الحقوق والحريات الشخصية حتى أصبحت جزءًا من قواعدها العامة كالدستور. إلا أنه مع تزايد القمع والتضييق والصعود القوي للحركة النسوية، رفعت الدولة سيفها في وجه كل مطالبة بحق.
مشروع الأحوال الشخصية للمسيحيين استقرت الخلافات حوله على فكرة السلطة الدينية المسؤولة عن التصريح بالزواج الثاني، خصوصًا عند الإنجيليين، حيث أعطى مشروع القانون لرؤساء المذاهب الإنجيلية المختلفة سلطة التصريح في ظل وجود مجلس رسمي يمثل الإنجيليين هو المجلس الإنجيلي العام، ورئاسة الطائفة الإنجيلية ذات سلطة، مما جعل الزواج الثاني بلا معيار يخضع لكل مذهب على حسب ما يرى.
واتفقت المواد حول منح تلك السلطة للكنائس والمجالس المِلّية، بغض النظر عن طريقة الطلاق، حتى لو كان بموجب حكم قضائي نهائي وبات، في تجاهل تام للسلطة القضائية.
أما قانون الأسرة، فكانت الملاحظات على مدى أحقية المرأة المسلمة في مشروع قانون الأسرة في ممارسة حياتها الطبيعية وحقوقها الأصيلة والمكتسبة في ظل احتفاظها بأولادها من زواجها الأول، كالحضانة والرؤية والولاية.
واتفق المشروعان على حق الرجل والمؤسسات الدينية في الطلاق دون المرأة، وعلى حجب الحقوق عن المرأة كالحضانة واعتبارها معيارًا للمساواة، وكأن الرجال في مصر يهتمون برعاية الأطفال ويسعون إلى حضانة أطفالهم ورؤيتهم، بل في حقيقة الأمر أنهم يسعون إلى شقة الزوجية وإذلال النساء اللواتي رفضتهن، ليصبحن بلا عائل، بلا مستقبل، بلا تمكين اقتصادي مستقل.
في قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، الطلاق مرتبط بعقيدة كل كنيسة، لا يوجد طلاق موحد لكل المسيحيين، يبقى الطلاق (أو الانفصال الجسدي في بعض الطوائف مثل الكاثوليك) خاضعًا لتعاليم الكنيسة، والحكم القضائي (المدني) ينهي الآثار القانونية، لكن الزواج الثاني يتطلب موافقة الكنيسة وفق عقيدتها.
وبالرغم من أن القانون قد عدد أسباب الانفصال وجعل الزواج إما مفسوخًا أو باطلاً أو منحلاً، في تناقض يجعل المرأة المسيحية ضحية لأي زواج لا ينتهي إلا بوفاة الزوج، ليكون لها الحق في الاستمرار في حياتها الشخصية والمهنية، فيما عدا المرأة الكاثوليكية التي أخرجها المشروع من كافة مواده واستثناها من كل حق منحه المشروع للمرأة المسيحية، ليزيد التباين بين المسيحيين ويعزز عدم المساواة بين الطوائف وبعضها.
لكن المساواة بين الرجل والمرأة أبرز ميزة في المشروع، واتضحت في المساواة بين الذكر والأنثى في توزيع الميراث داخل الأسرة المسيحية، وفقًا للشريعة المسيحية، ويمنح المرأة حقوقًا مالية مماثلة لما في قانون المسلمين.
أما في قانون الأسرة، فقد اعتُبر الطلاق منحة للمرأة تحصل عليها بشروط، في حين أطلق المشروع سلطة الرجل في الطلاق دون معقب أو رقيب، بل زاد الأمر أنه جعل للرجل أن يتزوج بأخرى، واكتفى بحبسه في حالة عدم إخطار الزوجة الأولى. ولكن بعد إخطارها، ماذا تفعل؟
ظهرت وتبلورت عدم المساواة والتمييز المخل بكل عدالة حين جعل عقد الزواج مقررًا فسخه بعد ظهور الغش والتدليس فقط لمدة ستة أشهر وبشرط عدم الحمل، خالف دستوره واتفاقياته الدولية وما استقرت عليه المحاكم المصرية، وخالف العرف، وجعل الطفل كالعادة هو مصدر التمييز، وكأن من مصلحة هذا الطفل أن يستمر مع أسرة بنيت على الغش والتدليس.
اعتبر الحضانة منحة يمنحها القانون بموافقة الرجل الذي وقف متربصًا لكل محاولة زواج بعد سن السابعة، أو حتى مجرد العيش مع أهلها أو مجموعة من الأصدقاء، لتسقط الحضانة في يد الأب صاحب المرتبة الثانية.
وتقريبًا هذه هي المخالفة الوحيدة لمبادئ الشريعة الإسلامية التي وقع فيها مشروع القانون، ليظهر جليًا أن المشروع صدر في مواجهة المرأة، ثم يعلو صوتهم على منصات التواصل الاجتماعي: “مصلحة الطفل الفضلى واستقرار الأسرة”. التي انهارت بالفعل، ويستلزم الحفاظ على حقوق أفرادها جميعًا، خاصة المركز القانوني الأولى بالحماية: المرأة والطفل.
يبدو أن الأمر هام وعاجل، المنطقة تشتعل، والنساء تموت طوال الوقت، فيوجه السيد الرئيس، فيخرج علينا مشروعا قانونين، تتجهز الأحزاب الموالية والمعارضة، الكل يدلي بدلوه، لكن الجبهتان منقسمتان تمامًا.
في جهة تقع الدولة المأزومة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، التي لا تستطيع أن تنحاز لطرف في معركة العالم انقسم فيها، اصطف معها الرجال والتيار المحافظ والمؤسسات الدينية والأحزاب الليبرالية.
في الجانب الآخر، النساء والمؤسسات والمبادرات النسوية وأحزاب اليسار وبعض مؤسسات المجتمع المدني التي أعلنت انحيازها للنساء في معركة هي الأهم، تبرز فيها شدة الأزمة.
وتحاول النساء أن تتمسك بكل حق في الحياة، وتحاول الدولة أن تنهي هذا الأمل، لإسقاط المجتمع في فوهات من التمييز والقهر، تخسف به إلى قاع لا نرى منه سوى الموت. والأمل في حياة أفضل لهذا المجتمع هي الحركة النسوية بكل تأكيد.