تواصل الولايات المتحدة توظيف العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية كأداة رئيسية لإدارة نفوذها في أمريكا اللاتينية، غير أن التحولات المتسارعة في النظام الدولي جعلت فعالية هذه الأدوات أكثر تعقيدًا وحدودًا مقارنة بما كانت عليه خلال فترة الحرب الباردة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد عطيف أستاذ العلاقات الدولية وباحث متخصص في شؤون أمريكا اللاتينية، إن السياسة الأمريكية تجاه دول مثل كوبا وفنزويلا، تكشف استمرارية تاريخية في استخدام الضغوط الاقتصادية، مع تغير واضح في طبيعة الأهداف والنتائج.
الحصار الأمريكي على كوبا.. نموذج العقوبات التقليدية
وقال الدكتور محمد عطيف لـ “القصة”، إن الحصار المفروض على كوبا منذ عام 1962 يمثل أحد أقدم نماذج العقوبات الاقتصادية الشاملة في العالم، حيث استهدفت واشنطن مختلف مجالات التبادل التجاري والمالي بهدف احتواء النظام الكوبي والحد من نفوذه السياسي، ورغم ما خلفه الحصار من أزمات اقتصادية متراكمة، فإنه لم ينجح في إسقاط النظام السياسي أو إحداث تغيير جذري في بنية الحكم.
العقوبات على فنزويلا.. ضغط اقتصادي بأبعاد سياسية
وأوضح الدكتور محمد عطيف أن العقوبات الأمريكية على فنزويلا اتخذت طابعًا تدريجيًا، إذ بدأت بإجراءات موجهة ضد شخصيات ومؤسسات، قبل أن تمتد لاحقًا إلى قطاع النفط، خاصة منذ عام 2019، في إطار الضغط على حكومة نيكولاس مادورو بسبب طبيعة النظام وتحالفاته الدولية.
وأضاف أن هذه العقوبات ساهمت في تعميق الأزمة الاقتصادية وتقليص إنتاج النفط، لكنها لم تحقق تغييرًا سياسيًا مباشرًا.
اختلاف السياقات بين كوبا وفنزويلا
وأشار عطيف إلى أن هناك تشابهًا واضحًا بين الحالتين الكوبية والفنزويلية من حيث منطق الضغط الأمريكي، إلا أن السياقات الدولية والداخلية تختلف بشكل كبير، ففنزويلا استفادت من دعم قوى دولية مثل الصين وروسيا وإيران، وهو ما عزز قدرة النظام على الصمود، إلى جانب عوامل داخلية مرتبطة بإدارة الدولة والاقتصاد.
التحول الأمريكي نحو البراجماتية في 2026
وأكد عطيف، أن عام 2026 شهد تحولات لافتة في المقاربة الأمريكية تجاه فنزويلا، إذ بدأت واشنطن تميل إلى سياسة أكثر براغماتية تقوم على المزج بين الضغط والانفتاح الجزئي، خاصة في قطاع الطاقة.
وشهدت الفترة الأخيرة تخفيف بعض القيود المفروضة على قطاع النفط الفنزويلي، مع منح تراخيص لشركات دولية لاستئناف جزء من أنشطتها، في ظل الحاجة إلى استقرار أسواق الطاقة العالمية وإعادة ترتيب المصالح الأمريكية في المنطقة.
العقوبات كأداة لإدارة التوازنات الدولية
وقال الدكتور محمد عطيف إن العقوبات الأمريكية لم تعد تستخدم فقط كوسيلة للعزل السياسي، بل أصبحت أيضًا أداة لإعادة التفاوض وإدارة التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية، فالولايات المتحدة تسعى إلى توظيف هذه العقوبات بشكل أكثر مرونة لخدمة اعتبارات الطاقة والأمن الاستراتيجي، خاصة في ظل تصاعد المنافسة مع الصين وروسيا، بينما تحاول فنزويلا استغلال هذه التحولات لإعادة دمج نفسها تدريجيًا في الاقتصاد العالمي.
مستقبل النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية
وأضاف أن التجربتين الكوبية والفنزويلية أثبتتا أن العقوبات الاقتصادية قد تُضعف الاقتصادات الوطنية وتزيد من الضغوط الداخلية، لكنها لا تضمن بالضرورة تحقيق تحول سياسي سريع أو مباشر.
واختتم أن الولايات المتحدة ما تزال تمتلك أدوات تأثير قوية في أمريكا اللاتينية، إلا أن قدرتها على فرض عزلة كاملة أو إعادة تشكيل الأنظمة السياسية بشكل منفرد أصبحت أكثر محدودية، في ظل عالم يتجه تدريجيًا نحو تعدد الأقطاب وتزايد المنافسة الدولية على النفوذ والطاقة والموارد.