مشكلة مصر ليست رأس السلطة، بل معناها.
برنامج للإنقاذ الوطني، وليس التوحد الأعمى خلف رئيس.
الصعوبة الحقيقية في الجمع بين الديمقراطية والنهضة.
أصابتنا تصريحات الرئيس الأخيرة بحالة من الدوار، فلم نكد ننتبه من التأكيد على عدم المساس بالدستور، وتسارع ردود الأفعال بين السخرية والترحيب والدموع والآهات المصحوبة بمشاعر اليتم أو تمثيل اليتم، حتى زادت حالة الدوار بتصريحات أخرى عن تأهيل نفر من المصريين لمدة تقترب من ثلاث سنوات في الأكاديمية العسكرية لقيادة مصر، ويكون أحدهم هو الناجح بامتياز في اختبارات لا يعلمها إلا الله ومن حازوا الثقة والخبرة والكفاءة عبر سنوات التأهيل.
أصابتني حالة الدوار أنا أيضًا، وفي هذه الأثناء وقعت على ما كتبه الراحل الكريم محمد السيد سعيد عن حالتنا منذ 18 عامًا، وكأنه يقرأ في كتاب الغيب المفتوح أمامه حينها.
رأى محمد السيد سعيد أن المهمة والرسالة والتحدي كانت دائمًا إنتاج معنى جديد للسلطة، وبالطبع، يهم وطن اسمه مصر وشعب هم المصريون، أن يوليو عنايته لقضية مَن يتولى السلطة، ولكنه يرى أن قضية مَن يتولى السلطة جزء من قضية معنى السلطة ومجرد تطبيق لها؛ فالمهم أن يتولى السلطة شخص أو أشخاص يحترمون معناها الذي نتفق عليه وعقدها الذي نبرمه، وحدودها التي شرعها الضمير الإنساني وأكدها التاريخ، بل وجعلتها الطبيعة حكمًا ومعيارًا نهائيًا. فلا سلطة بشرية يمكنها أبدًا أن تنهي حياة إنسان أو تعذبه أو تعتقله وتحرمَه من حرياته وحقوقه.
ويواصل الغائب الحاضر محمد السيد سعيد قائلًا إن السلطة القائمة حاليًا (منذ 18 عامًا)، والتي يكمن خلفها ما يسميه البعض النواة الصلبة للدولة، ليست فقط سلطة استبدادية مطلقة، متعالية وقاسية وغير مقيدة بشيء، بل إنها مضت على هذا الطريق مسافة لم تصل إليها أي سلطة مماثلة في تاريخ مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر؛ فلم يحدث انتهاك للقانون بالدرجة التي تحدث حاليًا، ولم يحدث أن انتُهكت أبسط حقوق الإنسان، وعلى رأسها حقه في سلامة الجسد من القتل العمد والتعذيب، مثلما يحدث الآن. ولم يحدث أن وصل تعسف السلطة إلى حد لا ندري فيه ماذا سيكون القرار في اليوم التالي أو الساعة القادمة حيال القضية نفسها أو الحدث نفسه أو المشكلة نفسها، مثلما نشهد الآن.
ويواصل محمد السيد سعيد أن رأس القاهرة تبحث كل يوم عن حل مريح، وأن آخر الحلول المريحة هو التوحد خلف الكتلة الصلبة للدولة المصرية كطريق للخروج من المأزق السياسي، وهو حل مريح مثلما الانتحار حل مريح ونهائي (وكان يشير حينها إلى احتمالات التوريث منذ 18 عامًا).
ويقول إن النخبة السياسية اختزلت المأزق السياسي في احتمالات التوريث من الأب إلى الابن، وإن هذا التشخيص تبسيطي وعليل؛ فالمأزق في كل وقت كان، وفي هذا الوقت بالذات، كامنًا في معنى السلطة. ومع كل يوم، يبدو أن الاختزال الذي قامت به النخبة السياسية يزداد، وكأن مجرد الرمد في العيون تحول إلى عمى ألوان، ثم إلى عمى دائم. فالمشكلة كانت دائمًا في التدمير والتحلل المفروض من أعلى على المجتمع.
لدينا مشكلة فكرية وثقافية، وليست في توريث السلطة؛ لأن الكارثة هي إلغاء واحد من أهم إنجازات النضال ضد الاستعمار، وهو إعلان الجمهورية، وإحالة بلدنا إلى نظام ملكي أو سلطاني.
والجمهورية ترجمة لمصطلح سلطة العامة، أي الشعب، والسلطة تُمتحن بطريقة توليتها؛ فإن كان الشعب قد خرج من المعادلة، ولم يكن قادرًا على تولية السلطة في انتخابات حرة وذات برنامج لمن يشاء، يكون قد تم إلغاء الجمهورية بالفعل.
هذا النظام ليس ملكيًا على النحو الذي شهدناه في أسرة محمد علي، ولكنه نظام مملوكي تُفوِّض فيه كتلة قوة رأسًا لها بممارسة سلطات كبيرة للغاية. وفرض هذا النظام نفسه في غيبة التفكير؛ فحتى بالنسبة إلى كتلة القوة، تصبح ماكينة السلطة هي الأمر الأهم، ولو داست أو هرست أو دمرت مَن يمارسها، شاء أم أبى.
المشكلة في هذا الانتقال للسلطة أنه يتجنب المرور على كيان مهم، وهو الكيان الذي تُمارَس السلطة باسمه، أي الشعب أو المجتمع. وانتقال السلطة بطريقة التوريث السياسي يتم دون استشارة الشعب أو استمزاجه، أو حتى تعريفه بمن تُورَّث إليه هذه السلطة.
ويواصل محمد السيد سعيد أن الانقلاب الثقافي الأسوأ هو تجاهل الخبرة المريرة التي عصفت بكل إنجازات مصر، بما فيها إنجازات الناصرية. ويكمن الانقلاب الثقافي فيما تدعونا إليه الكتلة الصلبة، وهو أن ندير ظهورنا لخبرة أكثر من 50 عامًا من التجربة الوطنية المريرة، لكي نضاعف المرض ونتجرع السم باسم صداع التوريث، سواء التوريث السياسي أو التوريث البيولوجي.
خبرة 50 عامًا تقول إنه كان علينا منذ زمن أن ننتقل من نظام تسلطي تعسفي تمارسه كتلة خفية، إلى نظام يقوم على حكم القانون أو حكم الشعب المنظم في مؤسسات مدنية وسياسية واعية ومقتدرة وشفافة، نستطيع أن نراها ونحترمها وتخشانا باعتبارنا مصدر سلطتها، لا ضحيتها ولا ملكيتها.
المهمة الآن هي إنتاج معنى جديد للسلطة؛ سلطة يتولاها شخص أو أشخاص يحترمون معناها وعقدها الذي نبرمه معها، وحدودها التي شرعها الضمير الإنساني.