لم تكن مصر في أي عصر مجرد وطن كسائر الأوطان، إذ كانت دائماً تمتلك شخصيتها الفريدة بين بلدان العالم، فاستحقت عن جدارة أن تكون “أم الدنيا”.
ولم يكن ذلك ادعاءً أو تزويرًا للحقائق، بل إن البشر والشجر والحجر فيها شواهد على القِدم والعراقة والرقي، حتى إن الباحثين يكادون يعجزون عن إحصاء عناصر عبقريتها عبر الزمان والمكان.
وقد شهد بذلك القاصي والداني، وأدهشت أصالة حضارتها جميع مؤرخي العالم، قديمهم وحديثهم، وما كُتب عنها يفوق التصور والخيال، وقد تفنى الأعمار دون أن تُدرك من عظمتها إلا القدر اليسير.
وهل تدرك الحيتان، رغم كثرتها، حجم ما يغمرها من مياه المحيط؟! فمصر هي المحيط الزاخر الفياض الذي لا ينضب معينه ولا تهدأ أمواجه، وحيويتها هي سر بقائها وخلودها.
لقد لاقت مصر من صنوف المحن وفنون المصائب ما كان جديرًا بإزالتها من التاريخ، لكنها الأبية اتخذت من تلك الشدائد دروعاً وحصونًا تقيها شر أعدائها المتربصين بها.
وقد حملت مشعل الحضارة منذ فجر البشرية، تربي وتعلم وتثقف الشعوب المجاورة لها عن طيب خاطر، ولهذا عرفت تلك الشعوب قدر مصر، وأدركت أن قوتها مرهونة بقوتها، فهي تحيا بقوتها وتموت بضعفها، ألم يقل شاعرنا حافظ إبراهيم على لسانها: “أنا إن قدر الإله مماتي، لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي”.
وكانت القوة الناعمة المصرية هي الروح المبثوثة في الوجدان الجمعي العربي؛ فإذا قامت مصر قاموا، وإذا قعدت قعدوا، فقوتها المعنوية كانت البوصلة التي يسترشد بها الأشقاء العرب للوصول إلى بر الأمان.
وقد كانت مصر على قدر مسؤولية ريادتها، فلم تضلهم ولم تخذلهم في يوم من الأيام. وقد قرأ هؤلاء كتب العقاد وطه حسين والرافعي والمنفلوطي ويحيى حقي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس، وشعر شوقي وحافظ وناجي وصلاح عبد الصبور، وتتلمذوا مسرحيًا على أيدي نعمان عاشور وسعد الدين وهبة وتوفيق الحكيم، وكذلك في السينما والموسيقى والغناء، فحسبنا كوكب الشرق، التي سكن صوتها وجدان المحيطين بنا، وفي الدراما التلفزيونية برز محفوظ عبد الرحمن وأسامة أنور عكاشة، وغيرهم في سائر الفنون والعلوم والآداب والصحافة والإعلام.
والآن، ظهرت على أطرافنا قوى جديدة من الأشقاء، يبتغي بعضها المنافسة الشريفة، ويبتغي بعضها الآخر التطاول والتنازع وانتزاع الريادة المصرية، مستندين إلى قوتهم المادية فحسب.
غير أن الواقع يؤكد أن المال هو أضعف عناصر التقدم والبناء الحضاري، وأن قواعد التقدم الحقيقية هي الميراث الحضاري والتاريخي العريق. ومع ذلك، يتعين علينا نحن المصريين، من منطلق الوطنية والانتماء، أن نعمل جاهدين لبث الروح في قوتنا الناعمة المتعددة، وما أكثرها.
كما يتعين علينا وضع سياسات شاملة في هذا المضمار والعمل على تحقيقها في البيت والشارع والمدرسة والجامعة وفي سائر المؤسسات، ومن ثم فإننا في حاجة إلى رفع مستوى الوعي لدى الجماهير، الذي يمثل السياج الآمن والحارس الأمين لتلك القوة الناعمة، التي متى رُوعيت في كل أبعادها وضعت مصر على بعد أمتار قليلة من احتلال القمة والتربع عليها، لكن ذلك يحتاج إلى همم وعزائم وسواعد وعقول المصريين، وقبل كل ذلك إلى يقظة الضمير، وصدق الانتماء، وجدية العمل وإتقانه، والإيمان الحقيقي بتراب الوطن.
ولعل من نافلة القول أن المؤسسات الدولية المعنية بالقوة الناعمة قد اتفقت على ستة مؤشرات لقياسها، وهي: الثقافة، والتعليم، والنشاط الدبلوماسي، والإنترنت، وإدارة الدولة، والاقتصاد.
ولا شك أنه يصعب، بل ربما يستحيل، أن تحقق أي دولة في العالم هذه المؤشرات الستة كاملة، وإنما من المؤكد أن الدول الجادة يمكنها أن تعمل على تعزيز عناصر قوتها المعنوية، وكل قطر أدرى بعناصر قوته.
وعلى ذلك، يجب أن نعتني بوعينا في مجالات التعليم والإعلام والثقافة والصحافة والفنون بأنواعها، كالرسم والموسيقى والغناء والسينما والمسرح، ولتكن لنا عودة حقيقية تليق بتاريخنا العريق.
فلتكن نوبة رجوع إلى حضن مصر الدافئ.