أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

لمبة جاز لكل مواطن

بدر الدين عطية

في خطوة غير مدروسة، قررت الحكومة رفع أسعار الكهرباء على أصحاب العدادات الكودية. والعداد الكودي، لمن لا يعرف، هو اختراع عبقري يجمع بين ميزتين لا تجتمعان إلا في مصر: “أنت غير قانوني بما يكفي لتُعاقب، وقانوني بما يكفي لتدفع”.

 

بمعنى آخر، الدولة لا تعترف بك حين تطلب حقاً، لكنها تتذكرك جيداً حين يحين موعد الفاتورة، تماماً كعلاقة زوجية كاثوليكية جافة، يدفع فيها الزوج المغلوب على أمره كل ما يتحصل عليه من راتب شهري، بينما لا تتوقف الزوجة عن المطالبة بالمزيد من الأموال حتى أثقلت كاهله بالمديونيات لمحاولة سداد مصروفاتها. ومن سخرية القدر أن ذلك الصندوق البلاستيكي اللعين المعلق على جدران بيوت الفقراء قد تحول من أداة لقياس الاستهلاك إلى “عداد تنازلي” لراتب المواطن “الافتراضي”.

أخبار ذات صلة

بدر الدين عطية
لمبة جاز لكل مواطن
مجلس النواب
كيف يتصرف البرلمان حيال الإساءة لأعضائه؟
images (1)
استشهاد عزام نجل القيادي خليل الحية متأثرًا بجراحه في غزة

 

ولكن دعونا، بعد أن “ندحرج التماسي” على حكومتنا الرشيدة على طريقة الراحل يوسف عيد في فيلم صرخة نملة، نتساءل: ما المنتظر من رفع السعر على شخص يتقاضى معاشاً لا يكفي قوت يومه، ولا يمتلك المقدرة على تحمل أعباء إضافية كثمن “علبة دواء” على سبيل المثال؟ ناهيك عن اللغة الجافة التي تستخدمها الحكومة، وإجبار المواطن على الاختيار بين خيارين أحلاهما مر: إما الدفع طبقاً للتسعيرة الجديدة، وإما “اللي خايف على قرشه يقعد في الضلمة ويربط كرشه”.

 

أنت هنا لا تطلب منه الترشيد، بل تطلب منه حرفياً أن يضع في يمينه “بنسة” ويتسلق سلماً خشبياً، وكأنك تقول له: “سرقة التيار العمومي من ورائكم، ومحصل الكهرباء أمامكم”، ما يجعل من هذا القرار الأخير برفع الأسعار بمثابة أكبر حملة دعائية “رسمية” لسرقة الكهرباء في تاريخ البشرية.

 

وبعيداً عن هذا كله، تظل الإشكالية الأخطر في علاقة الحكومة بالمواطنين. فالحكومة هنا قررت ألا تتعامل مع المواطن كإنسان، بل قررت التعامل معه “ككود”، ربما ظناً منها بأن الكود لا يشعر، لا يجوع، لا يشكو، ولا يصرخ. وهو ما يصطدم بالواقع الذي قد لا يدركه البعض؛ فالمواطن، وإن كان فقيراً، فإنه ليس “كوداً” في قاعدة البيانات، بل هو المكون الرئيس للوطن، الذي إذا انقطعت عنه الخدمات انقطع عنه الأمل. ورفع الأسعار على هذه الفئة تحديداً نوع من أنواع تحدي المنطق واختبار صبر الشعب، فلا تتعجب إذا رأيت المدن تتوشح بالسواد، لا حداداً، بل لأن “رصيد الكارت قد نفد”، ولم يعد لهذا المواطن سوى “دعوات” تصعد إلى السماء، وقد تغيّر كافة الأوضاع الاجتماعية والسياسية سواء بسواء. وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فمن الأفضل أن ترفع وزارة الكهرباء شعاراً جديداً مواكباً للمرحلة الحالية: “النور مكانه في القلوب”.

وتزامناً مع تلك القرارات، جاءت الحملة الترويجية السخيفة: “الله ينور عليكم، بيتكم منور بيكم”، والتي تتشابه كثيراً مع الإفيه الشهير للفنان الكبير عمرو عبد الجليل: “يعني إسرائيل منورة بفلوسنا.. ومصر منورة بأهلها”.

 

وكأن الحكومة قد قررت محاسبة الشعب على قرارات خاطئة، بداية من تصدير الغاز لإسرائيل بأسعار هزلية، مروراً بإعادة استيراده منها بأسعار جزافية.

 

أو ربما قررت محاسبة الشعب على ثمن إضاءة السجون وأماكن الاحتجاز ليل نهار لتعذيب المعتقلين نفسياً. ولأن الكوميديا السوداء لا تكتمل إلا بتفاصيلها، نجد أن المرتبات والمعاشات تقف في زاوية المشهد كضيف شرف خجول، لا يكفي حتى لشراء الاحتياجات الأساسية، فضلاً عن فواتير كهرباء تتعامل مع المواطن كأنه يدير مصنعاً للحديد والصلب، لا غرفة وصالة بالكاد تُضاء بمصباح واحد وذكريات ثقيلة.

تخيل مواطناً بسيطاً يجلس في منزله مساءً، لا يشغل باله سوى الحر الشديد الذي يكتوي بناره، وما إن كان سيواجهه بتشغيل المروحة أم يحتفظ بثمن استهلاكها للكهرباء ليشتري طعاماً؟ هل يشحن هاتفه أم يفعّل وضع توفير الطاقة ليقتطع بضعة جنيهات؟ إنها معادلات رياضية معقدة تحتاج إلى عالم فيزياء لحلها، لا إلى مواطن يريد فقط أن يعيش دون أن يُحاسب على كل نفس يتنفسه.

وفي النهاية، لا يسعنا إلا أن نشكر الحكومة على هذه السياسات الملهمة، التي تنجح كل مرة في إعادة تعريف معنى “الصب في مصلحة المواطن”، لكن من زاوية مختلفة تماماً. إذ نجحت في خلق مواطن قادر على التكيف مع الأسوأ، فتجد أن أهم ما يشغل باله حالياً: هل سيتم التحفظ على “حبيبة” حسين الجسمي التي تمتلك “ضحكة فيها كهربا”؟ لأن البقاء في هذا البلد لم يعد للأقوى، بل للأكثر تحملاً للسخرية من واقعه.

 

وأخيراً، نتمنى أن تتسق الحكومة، ولو لمرة واحدة، مع مواقفها، فتتخلى عن مشروع لمبات الليد الذي لم يعد ذا جدوى اقتصادية بعد اليوم، وتتجه نحو توفير لمبات الجاز للأسر الفقيرة وأصحاب العدادات الكودية، حتى لا يكون الأمر “موت وخراب ديار

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

49833fa34731c803532dcbea52a4b900
الذهب يتراجع محليًا رغم قفزة الأسعار عالميًا
خالد عبدالغفار
خالد عبدالغفار.. "مش فاضي لكم"
IMG-20260506-WA0039
مناقشة رسالة ماجستير عن "إدارة سمعة الجامعات المصرية" بـ إعلام القاهرة
الحكومة المصرية - أرشيفية
لماذا تهمل الحكومة المواطن في مخططاتها الاقتصادية؟

أقرأ أيضًا

الكاتب الصحفي عمرو بدر
عمرو بدر يروي حكايته مع الصحافة.. الانفراد الأهم: الحوار الأول مع محمد البرادعي بعد عودته إلى مصر
فخ "هرمز": كيف تعصف حرب إيران باستقرار الاقتصاد العالمي
عصام سلامة
“القرصنة السيادية”: جريمة ترامب الدولية التي خلعت عن واشنطن رداء “الشرطي”
أرشيفية
لماذا تتعامل الحكومة مع المواطن كعبء؟.. سياسيون يجيبون