بينما تتداول الأنباء عن اتفاق إطاري برعاية أمريكية بين لبنان وإسرائيل، تبرز في واشنطن معضلة استراتيجية: كيف تدير الإدارة الأمريكية الملف اللبناني؟ مع تعيين ماركو روبيو مسؤولاً عن الدبلوماسية المباشرة مع إسرائيل ولبنان، وتكليف جي دي فانس بالمسار الإقليمي الأوسع المرتبط بإيران، يثور التساؤل: هل نحن أمام “تكامل” أدوار أم “تناقض” في السياسات؟
لبنان لم يعد ملفاً معزولاً
يؤكد الدكتور عامر فاخوري أستاذ القانون الدولي العام، لـ “القصة” أن لبنان اليوم لم يعد ملفاً معزولاً، بل أصبح جزءًا من مشهد إقليمي أوسع، تتحرك فيه واشنطن بين إسرائيل ولبنان من جهة، وبين إيران وملفات المنطقة من جهة أخرى.
ويوضح فاخوري التوزيع الوظيفي داخل الإدارة الأمريكية قائلاً:”في توزيع الأدوار داخل الإدارة الأميركية، يبدو أن ماركو روبيو يتحرك من موقع الدبلوماسية الرسمية: التواصل مع إسرائيل ولبنان، تثبيت التهدئة، وترتيب الضمانات الأمنية أما جي دي فانس فيبدو أن دوره أوسع، مرتبط بإدارة الصورة الإقليمية الكبرى، خصوصاً العلاقة مع إيران ومحاولة منع اتساع المواجهة بمعنى آخر، روبيو يدير الملف اللبناني من بوابة الدولة والحدود، بينما فانس ينظر إليه من زاوية التوازنات الإقليمية”.
وحول سؤال “هل أصبح لبنان جزءًا من تفاهمات أميركية إيرانية غير معلنة؟” يقول فاخوري:”لا أستطيع أن أقول إن هناك صفقة سرية مؤكدة، لكن المؤكد أن لبنان أصبح حاضراً في الحسابات الأميركية الإيرانية فوجود حزب الله، وارتباطه بإيران، واستمرار التوتر مع إسرائيل، كلها عوامل تجعل الملف اللبناني جزءًا من أي نقاش إقليمي واسع، حتى لو لم يكن مكتوباً بشكل مباشر في اتفاق معلن”.
ويخلص فاخوري في حديثه للمشهد اللبناني إلى أن: “لبنان لا يزال ملفاً مستقلاً من الناحية القانونية و السيادية، لكن من الناحية السياسية لم يعد ملفاً معزولاً هو اليوم بين طاولة بيروت، حيث يجب أن يكون القرار الوطني، وطاولة إقليمية أوسع، حيث تتقاطع حسابات واشنطن وطهران وتل أبيب الخطر أن يتحول لبنان إلى ورقة تفاوض، والفرصة أن تستغل الدولة اللبنانية هذه اللحظة لاستعادة قرارها وسيادتها”.
لا خلاف داخل الإدارة.. بل “إدارة أزمات”
من جانبه، يرى الدكتور طارق فهمي خبير العلاقات الدولية لـ “القصة” أن توزيع الملف اللبناني بين روبيو وفانس لا يعكس وجود خلاف داخل الإدارة، بل يعكس توزيعاً للأدوار بين المسار الدبلوماسي والمسار الاستراتيجي.
ويوضح فهمي الرؤية الأمريكية قائلاً:”روبيو يتولى إدارة الملف اللبناني في إطاره المباشر، من خلال التواصل مع لبنان وإسرائيل ومتابعة الترتيبات الأمنية، بينما يتحرك فانس ضمن رؤية أوسع تتعلق بإدارة العلاقة مع إيران وانعكاساتها على ملفات المنطقة واشنطن تعلن رسمياً رغبتها في فصل الملف اللبناني عن المفاوضات مع طهران، إلا أن الواقع السياسي و الأمني يجعل تحقيق هذا الفصل الكامل أمراً بالغ الصعوبة، في ظل ارتباط حزب الله بالمعادله الإيرانية وتأثيره المباشر على المشهد اللبناني”.
ويشير فهمي إلى أن لبنان أصبح جزءًا من الحسابات الاستراتيجية:”لبنان أصبح جزءًا من الحسابات الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران، ليس باعتباره ورقة تفاوض مستقلة، و إنما لكونه أحد الملفات المؤثرة في أي تفاهمات أو ترتيبات إقليمية مستقبلية واشنطن لا تفاوض لبنان بمعزل عن إيران، كما أنها لا تفاوض إيران عبر لبنان فقط، لكنها تدير الملفين في وقت واحد باعتبارهما متداخلين، وهو ما يمنحها مساحة أوسع للمناورة السياسية خلال المرحلة المقبلة”.