بعد موافقة لمجلس النواب، نهائيًا على مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن تحديد نسبة العلاوة الدورية للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية، ومنح علاوة خاصة لغير المخاطبين به، وزيادة الحافز الإضافي للعاملين بالدولة، إلى جانب تقرير منحة خاصة للعاملين بشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام، عاد الجدل مجددًا حول مدى كفاية هذه الزيادات في ظل استمرار ارتفاع الأسعار والتضخم.
ونص مشروع القانون على رفع العلاوة الدورية للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية إلى 12% من الأجر الوظيفي بحد أدنى 150 جنيه شهريًا، ومنح غير المخاطبين بالقانون علاوة خاصة بنسبة 15% من الأجر الأساسي بحد أدنى 150 جنيه، فضلًا عن زيادة الحافز الإضافي لجميع العاملين بالدولة بقيمة 750 جنيه شهريًا بدءاً من الأول من يوليو، مع تقرير منحة خاصة للعاملين بشركات القطاع العام وقطاع الأعمال العام، وضمان ألا يقل إجمالي الدخل الشهري لبعض الفئات عن 8 آلاف جنيه بعد تطبيق الزيادات.
من جانبها أكدت الحكومة أن القانون جاء ضمن حزمة للحماية الاجتماعية وتحسين دخول العاملين، بينما يرى آخرون أن الأزمة لا تتعلق بقيمة الزيادة في حد ذاتها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على القوة الشرائية للأجور في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.
وقال وزير القوى العاملة الأسبق والقيادي العمالي كمال أبو عيطة، في تصريحاته لـ موقع “القصة”، إن أزمة الأجور في مصر أعمق من مجرد إقرار علاوة جديدة، معتبرًا أن الأزمة الحقيقية تكمن في طريقة إدارة ملف الأجور والأسواق.
وأضاف أبو عيطة أن أزمة الأجور في مصر هي في الأساس “فوضى أجور”، موضحًا أن الحركة النقابية المصرية، وعلى رأسها الاتحاد المصري للنقابات المستقلة، كانت دائمًا تتبنى رؤية مختلفة عن الحكومة في هذا الملف.
قائلاً: “إحنا أصلًا مش عايزين زيادة، قولا واحدًا. إحنا فقط بنطالب إن الأجور ترتبط بمعدلات التضخم اللي بيصدرها البنك المركزي. لو التضخم 10% زودوا الأجور 10%، ولو 15% تبقى 15%. وده مش معناه زيادة في الأجر، ده مجرد حفاظ على قيمة الأجر وثباته، لأن الزيادة الحقيقية هي اللي تحافظ على القوة الشرائية، مش مجرد رقم بيتضاف على المرتب.”
وأوضح أبو عيطة أن العلاوات الدورية في الماضي كانت تأتي مع تقدم العامل في العمر وزيادة مسؤولياته الأسرية، أما الآن، العلاوات الدورية التي ستأتي لن توازي إطلاقاً معدلات ارتفاع الاسعار، مضيفاً أن الحكومة ليست مطالبة، من وجهة نظره، بمنح زيادات استثنائية كل فترة، وإنما بالالتزام بربط الأجور بمعدلات التضخم التي يعلنها البنك المركزي بصورة دورية، باعتبارها المعيار الحقيقي للحفاظ على قيمة دخل العامل.
وانتقد أبو عيطة ما وصفه بـ “فوضى السوق”، مؤكدًا أن الأزمة ليست مقتصرة على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى غياب أي معايير واضحة للتسعير، وقال: “إحنا مش قدام ارتفاع أسعار وبس، إحنا قدام فوضى، السلعة اللي بتشتريها من مكان بسعر، ممكن تلاقيها في مكان تاني بنص السعر، وفي مكان تالت بربع السعر. دي فوضى بتطحن المواطنين.”
وتسائل أبو عيطة عن دور الأجهزة الرقابية في مواجهة هذه الفوضى، مضيفًا: “أنا مش فاهم إزاي عندنا كل الأجهزة الرقابية دي، ومفيش جهاز قادر يضبط السوق، قولا واحدًا، مفيش وزارة تموين في مصر بالمعنى الحقيقي، ومفيش جهة بتراقب الأسعار أو تمنع جشع التجار والسماسرة.”
ورأى أن الحكومة فقدت أهم أدواتها في ضبط الأسواق بسبب تراجع دور القطاع العام والقطاع التعاوني، رغم أن الدستور ينص على وجود ثلاثة أشكال للاقتصاد هي القطاع العام، والقطاع التعاوني، والقطاع الخاص.
وقال إن الحكومة لا تتحدث إلا عن دعم القطاع الخاص، بينما تستهدف إنهاء دور القطاعين الآخرين، معتبرًا أن ذلك يجعل المواطن فريسة كاملة للقطاع الخاص الذي لا يسعى إلا إلى تحقيق الربح.
واستشهد بشركة مصر للألبان، قائلًا: “لو كانت موجودة كانت هتضبط أسعار اللبن في السوق، ونفس الكلام ينطبق على الحديد والصلب، والنسيج، والأدوية، وكل القطاعات. وجود قطاع عام قوي هو أحد أهم وسائل ضبط الأسعار، لكن الحكومة مستمرة في بيع الشركات وتصفيتها تحت اسم الطروحات.”
وأكد أبو عيطة أن حل أزمة الأجور لا يقتصر على ربطها بالتضخم، وإنما يتطلب أيضًا إعادة الانضباط إلى الأسواق.
و انتقد كمال أبو عيطة تضخم بند أجور كبار المسؤولين والمستشارين، معتبرًا أنهم يمثلون عبئًا على الجهاز الإداري للدولة، مشيراً إلى حاجة مصر إلى إعادة تنظيم وهيكلة منظومة الأجور بالكامل، وربطها بمعدلات التضخم، مع استعادة أدوات الدولة في ضبط الأسواق والأسعار.