تشهد منطقة القرن الإفريقي تصاعدًا في حدة التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل استمرار الخلافات المرتبطة بطموحات أديس أبابا للحصول على منفذ بحري، وهو ما يثير مخاوف إقليمية بشأن انعكاسات أي تصعيد على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية، فضلًا عن تأثيره على الأمن القومي العربي والمصري.
وفي هذا السياق، قال السفير رخا أحمد مساعد وزير الخارجيه الأسبق لـ “القصة”، إن الأزمة الحالية تعكس صراعًا أوسع على النفوذ في القرن الإفريقي، وليس مجرد خلاف ثنائي بين البلدين.
طموحات إثيوبيا البحرية فجّرت الأزمة مع إريتريا
قال السفير رخا أحمد إن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا بدأ منذ فترة على خلفية إعلان أديس أبابا تمسكها بالحصول على منفذ على البحر، وإشارتها إلى أنها قد تلجأ إلى مختلف الوسائل لتحقيق هذا الهدف، وهو ما أثار مخاوف من احتمال اللجوء إلى القوة.
وأوضح أن الفارق الكبير في الإمكانات بين البلدين، سواء من حيث عدد السكان أو القدرات العسكرية، ساهم في زيادة حدة التوتر، مؤكدًا أن العلاقات بين الجانبين تشهد تباعدًا متزايدًا نتيجة تضارب المصالح الاستراتيجية.
البحر الأحمر والملاحة الدولية تحت المراقبة
وأكد السفير رخا أحمد أن أي مواجهة عسكرية بين إثيوبيا وإريتريا من شأنها أن تثير مخاوف بشأن استقرار منطقة البحر الأحمر، حتى وإن لم تكن إثيوبيا دولة مشاطئة له.
وأشار إلى أن منطقة باب المندب تمثل إحدى أهم النقاط الاستراتيجية في العالم، لافتًا إلى أن جيبوتي تضم قواعد عسكرية لقوى دولية عدة، بينها الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا، وهو ما يجعل أمن الممرات البحرية محل اهتمام دولي دائم.
وأضاف أن أي تصعيد قد يؤدي إلى اضطرابات في منطقة القرن الإفريقي، بما ينعكس على أمن الملاحة الدولية ويزيد من المخاطر التي تواجه التجارة العالمية، فضلًا عن تداعياته على الأمن القومي العربي والمصري.
صراع النفوذ يتجاوز الخلافات الثنائية
وأوضح رخا، أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بالخلافات المباشرة بين إثيوبيا وإريتريا، وإنما تمثل جزءًا من صراع أوسع على النفوذ في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر
وأشار إلى أن توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم “أرض الصومال” الانفصالي مطلع عام 2024 للحصول على منفذ بحري أثار رفضًا واسعًا من الصومال، وإريتريا، وعدد من الدول الإفريقية، إلى جانب مصر والاتحاد الإفريقي، باعتباره خطوة تمس وحدة الأراضي الصومالية وتزيد من تعقيد الأوضاع الإقليمية.
توترات متصاعدة مع دول الجوار
وقال السفير رخا أحمد إن سياسة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، التي بدأت بإبرام اتفاقات سلام مع دول الجوار، تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى علاقات متوترة مع عدد من الدول، وفي مقدمتها السودان وإريتريا.
وأضاف أن اتفاق السلام الذي أنهى حرب تيغراي لم ينهِ الأزمة بشكل كامل، في ظل استمرار مطالب بعض القوى داخل الإقليم، وما تثيره من مخاوف لدى الحكومة الإثيوبية بشأن الأمن والاستقرار، خاصة مع الاتهامات المتبادلة بشأن وجود تعاون بين بعض الأطراف داخل تيغراي وإريتريا.
واختتم السفير رخا أحمد بالتأكيد على أن استمرار هذه التوترات دون حلول سياسية سيزيد من هشاشة الأوضاع في القرن الإفريقي، ويجعل المنطقة أكثر عرضة للصراعات، بما يهدد أمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم بأكمله.
التحالف الإثيوبي-الإريتري انتهى بانتهاء حرب تيغراي
وفي إطار آخر، قال الدكتور إسماعيل تركي أستاذ العلوم السياسيه، إن السبب الجوهري للتوتر الراهن يعود إلى سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، وعدم رضاها عن وضعها كدولة حبيسة، مؤكدًا أن التحالفات في منطقة القرن الإفريقي تقوم على البراغماتية المؤقتة أكثر من اعتمادها على شراكات استراتيجية طويلة الأمد.
وأوضح لـ “القصة” أن التحالف الإثيوبي-الإريتري الذي تشكل عام 2018 كان تحالف ضرورة استهدف القضاء على جبهة تحرير تيغراي، إلا أنه فقد مبررات استمراره بمجرد انتهاء الحرب، لتعود الخلافات التاريخية والجيوسياسية إلى الواجهة، خاصة مع مطالبة إثيوبيا بالوصول إلى البحر الأحمر، وهو ما تعتبره إريتريا مساسًا مباشرًا بسيادتها وأمنها القومي
أزمات الداخل الإثيوبي تعزز نهج التصعيد الخارجي
وأشار الدكتور إسماعيل تركي إلى أن الخلاف بين البلدين يرتبط أيضًا بالتطورات الداخلية في إثيوبيا، موضحًا أن حكومة آبي أحمد تواجه ضغوطًا كبيرة نتيجة الاضطرابات في إقليمي أمهرة وأوروميا، إلى جانب الأزمات الاقتصادية، الأمر الذي يدفعها إلى تبني خطاب قومي متشدد، وتقديم قضية المنفذ البحري باعتبارها حقًا تاريخيًا لإثيوبيا، بهدف حشد التأييد الداخلي وصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية.
وأضاف أن اتفاق بريتوريا للسلام عام 2022، الذي أنهى حرب تيغراي دون إشراك إريتريا، أثار استياء أسمرة، التي اعتبرت الاتفاق تخليًا عن مصالحها الأمنية، كما زاد توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم “أرض الصومال” من حدة التوتر، بعدما رأت فيه إريتريا محاولة لتطويقها جغرافيًا وسياسيًا.
الحرب بالوكالة هي السيناريو الأقرب
ورأى تركي أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار الحرب بالوكالة وبقاء التوتر عند حافة الهاوية، مع تراجع فرص نجاح جهود الاحتواء الدبلوماسي التقليدية
وأوضح أن احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة لا تزال محدودة في المدى القريب، نتيجة الإنهاك العسكري والاقتصادي الذي تعانيه إثيوبيا بعد حرب تيغراي، فضلًا عن الكلفة الباهظة لأي حرب جديدة بالنسبة للنظام الإريتري.
وأضاف أن الحرب بالوكالة تبدو الخيار الأقرب، عبر دعم كل طرف لجماعات المعارضة المسلحة داخل الدولة الأخرى، في ظل استمرار ضعف الثقة بجهود الوساطة التي يقودها الاتحاد الإفريقي ومنظمة “إيغاد”، واعتماد إريتريا على سياسة الانعزال وبناء تحالفات مضادة.
تداعيات خطرة على أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي
وأكد تركي أن أي تصعيد بين البلدين سيؤدي إلى تدويل الأزمة وتحويل القرن الإفريقي إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية، بما يهدد أمن الملاحة في مضيق باب المندب ويزيد المخاطر على حركة التجارة العالمية عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وأوضح أن التوتر الإثيوبي الإريتري يتقاطع مع الأزمة الصومالية، بما يخلق حزامًا من الأزمات يمتد من مقديشو إلى أسمرة، محذرًا من أن ذلك قد يؤدي إلى مزيد من عسكرة السواحل وتدخل القوى الدولية والإقليمية التي تمتلك وجودًا عسكريًا في جيبوتي والبحر الأحمر لحماية مصالحها.
واختتم الدكتور إسماعيل تركي بالتأكيد أن القرن الإفريقي لا يقف حاليًا على أعتاب حرب شاملة، لكنه يعيش حالة من عدم الاستقرار القابلة للاشتعال مع أي احتكاك حدودي أو خطأ في الحسابات السياسية أو العسكرية، مشددًا على أن الأزمة تتجاوز قدرة أدوات الوساطة التقليدية، وأن احتواءها يتطلب صياغة معادلة أمنية إقليمية جديدة تشارك فيها القوى الفاعلة، بما يضمن احترام القانون الدولي وسيادة الدول ويحول دون تفاقم الصراع في المنطقة.