إذا كان الدستور لن يتغير، فهل ستتغير طريقة إدارة الحياة السياسية في مصر؟
هذا هو السؤال الأهم، لأن عدم تعديل الدستور ليس كافيًا… فتح المجال العام وضمان حق المصريين في اختيار رئيسهم بما يكفله الدستور من حريات عامة وممارسة سياسية حقيقية هو المحك.
رحبت أحزاب وقوى سياسية وشخصيات عامة بتصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن عدم المساس بالدستور، وسط تكهنات سابقة بتعديلات دستورية مرتقبة تتعلق بمد فترة الرئاسة. غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بعدم تعديل الدستور، وإنما بمدى تطبيق مواده وتفعيل الحقوق والحريات التي يكفلها للمواطنين.
فإذا كان التصريح يعني عدم تعديل القواعد الدستورية بما يسمح بالاستمرار في السلطة بعد انتهاء المدة الرئاسية الحالية في 2030، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الحياة السياسية المصرية اليوم هو: ماذا سيحدث قبل أن نصل إلى 2030؟ وكيف نضمن أن يكون تداول السلطة استحقاقًا ديمقراطيًا حقيقيًا، تتوافر له البدائل السياسية والتنافسية الجادة، وليس مجرد إجراء انتخابي؟
نحن على بُعد نحو ثلاث سنوات من الاستحقاق الرئاسي المقبل. وهذه مدة ينبغي أن تكون كافية لبدء حوار سياسي ومجتمعي جاد حول مستقبل البلاد، ولعمل الأحزاب والتحالفات السياسية على بلورة برامجها، واختيار مرشحيها المحتملين، وبناء قواعدها الجماهيرية، والتواصل مع المواطنين، وطرح البدائل السياسية والاقتصادية التي تستجيب لتطلعاتهم.
ففي الديمقراطيات الراسخة، لا يبدأ التنافس على رئاسة الدولة بمجرد فتح باب الترشح، بل تسبقه سنوات من العمل السياسي المنظم، وإعداد البرامج، وبناء التحالفات، وخوض النقاشات العامة، والتواصل المباشر مع المواطنين. ولا يمكن أن تكون هناك انتخابات تنافسية حقيقية من دون إتاحة المجال العام الذي يسمح للمرشحين المحتملين والأحزاب بعرض أفكارهم وبرامجهم بحرية، ويمنح المواطنين الوقت الكافي للتعرف عليهم والمفاضلة بين البدائل المطروحة.
ومن هنا، فإن احترام الدستور لا يكتمل بمجرد عدم تعديله، وإنما بتطبيقه كاملًا، نصًا وروحًا، وضمان الحقوق والحريات التي ينص عليها. وهو ما يمثل جوهر المعضلة التي نواجهها عند الإعلان عن كل استحقاق انتخابي لرئاسة الجمهورية؛
التي تتمثل في نفس السؤال الذي يطرحه المصريون فيما بينهم مع كل استحقاق رئاسي: «مفيش بديل! من البديل؟»
• كيف يمكن الحديث عن تداول السلطة بينما لا تتوافر الشروط السياسية والمجتمعية اللازمة لممارستها؟
• كيف يمكن مطالبة المواطنين بالاختيار بين بدائل متعددة، إذا لم تتح لهم فرصة التعرف على هذه البدائل؟
• كيف نضمن انتخابات ومنافسة حقيقية إذا لم تتح للأحزاب والقوى السياسية مساحة كافية للعمل الجماهيري والتواصل مع المواطنين؟
• أليس غياب البدائل المطروحة على نطاق جماهيري واسع نتيجة طبيعية لتضييق المجال العام، وتقييد حرية العمل السياسي، وعدم إتاحة المنابر الإعلامية بالقدر الكافي لعرض البرامج والرؤى المختلفة.
• كيف يمكن أن يظهر بديل سياسي حقيقي إذا كان من يطرح نفسه للمنافسة يتعرض للتضييق أو الملاحقة، بدلًا من أن تكون ساحة المنافسة هي البرامج والأفكار والقدرة على إقناع المواطنين؟
إن الدستور المصري نفسه يجيب عن كل هذه التساؤلات؛ فالمادة 65 تكفل حرية الفكر والرأي، والمادة 68 تقر الحق في المعرفة، والمادتان 70 و71 تكفلان حرية الصحافة والإعلام وتحظران الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، إلا في الحالات الاستثنائية التي يحددها الدستور. كما تنظم المادة 73 حق المواطنين في تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية، وتكفل المادة 74 حرية تكوين الأحزاب السياسية بالإخطار، بينما تقرر المادة 87 أن مشاركة المواطنين في الحياة العامة واجب وطني، وتكفل لكل مواطن حق الانتخاب والترشح وإبداء الرأي في الاستفتاء.
وتؤكد المادتان 92 و94 أن الحقوق والحريات لا تقبل التعطيل أو الانتقاص، وأن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة.
• لكن أين نحن من التطبيق الفعلي لهذه الضمانات الدستورية؟ وما قيمة النصوص التي تكفل حرية الرأي والتعبير والعمل السياسي إذا لم يتمكن المواطنون والأحزاب من ممارستها بحرية وأمان؟
• وكيف يمكن بناء حياة سياسية تعددية في ظل استمرار حبس مواطنين على خلفية ممارستهم السلمية لحقوقهم السياسية أو تعبيرهم عن آرائهم، وما يترتب على ذلك من آثار إنسانية واجتماعية جسيمة؟
إننا لا نحتاج إلى تعديل الدستور بقدر ما نحتاج إلى احترامه وتطبيقه، وفتح المجال العام، وإطلاق الحريات العامة، وضمان حرية العمل الحزبي والإعلامي، وإتاحة المجال أمام المعارضة لعرض برامجها والتواصل مع المواطنين، بما يضمن منافسة سياسية حقيقية، وتداولًا سلميًا للسلطة، واختيارًا حرًا بين بدائل متعددة.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو:
إذا قرر أي مواطن مصري مستوفٍ لشروط الترشح لرئاسة الجمهورية، أن يخوض التجربة في 2030، وبدأ من الآن في إعداد برنامجه السياسي، والتواصل مع المواطنين، وطرح رؤيته لمستقبل مصر، وبناء تحالف سياسي حولها، وإعلان استعداده لخوض الانتخابات المقبلة، فما الذي سيحدث له؟
هل سيجد المجال العام مفتوحًا أمامه، وسيتمكن من ممارسة حقوقه الدستورية، وعرض أفكاره على المواطنين عبر وسائل الإعلام، وتنظيم لقاءات جماهيرية بحرية؟ أم سيواجه التضييق والمنع والملاحقة، قبل أن تبدأ المنافسة الانتخابية أصلًا؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي المعيار الحقيقي لمدى جدية الالتزام بالدستور.
فإذا كنا نريد ألا نصل إلى عام 2030 ونحن نكرر السؤال ذاته: «مفيش بديل! من البديل؟»، فالمطلوب هو عدم المساس بالمرشحين المحتملين إلى جانب عدم المساس بالدستور الذي يحميهم. علينا أن نبدأ من الآن في بناء حياة سياسية حقيقية، تتيح ظهور البدائل وتنافسها بحرية، وتمنح الشعب حقه في الاختيار. فالدستور ليس مجرد نصوص لا نعدلها، بل حقوق نمارسها، وحريات نحميها، ومؤسسات تحترمها، وسلطة تخضع لأحكامها. وفتح المجال العام ليس مطلبًا حزبيًا أو امتيازًا تمنحه السلطة، بل ضرورة دستورية وسياسية لبناء دولة ديمقراطية تحترم مواطنيها وتضمن مستقبلها، والتي باتت الآن- بالنظر لأزمتنا الاقتصادية والتحديات الجيوسياسية المحيطة- ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل أكثر من أي وقت مضى.