تمر الأشهر وتتراكم الأيام، ولا تزال المدافع في غزة تغرد لغة الدمار وسط هذا المشهد المعقد، لم يعد السؤال الشعبي “متى تنتهي الحرب؟”، بل بات السؤال الأكثر إلحاحاً وكواليسية: “من المستفيد من بقائها مشتعلة؟”.
خلف الدخان وصيحات الضحايا، المعركة تجاوزت جغرافيتها العسكرية لتتحول إلى شبكة مصالح سياسية واقتصادية معقدة، تتقاطع فيها طموحات البقاء الشخصي بأرباح كارتيلات السلاح.
الحرب كطوق نجاة سياسي
وتقول خبيرة الشؤون الإسرائيلية أنجي بدوي إن الحرب أثرت بصورة مباشرة على الحسابات الانتخابية داخل إسرائيل، معتبرة أنها منحت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فرصة للاستمرار في الحكم وتأجيل أي انتخابات قد تضع مستقبله السياسي في دائرة الخطر. وتشير إلى أن إنهاء الحرب قد يدفع نحو انتخابات جديدة في وقت يواجه فيه نتنياهو تراجعًا في شعبيته وتصاعدًا في الانتقادات الموجهة إليه من قطاعات مختلفة داخل المجتمع الإسرائيلي.
وتضيف بدوي لـ”القصة” أن استمرار الحرب يمنح نتنياهو مساحة أوسع للمناورة في الملفات القضائية التي تلاحقه، موضحة أن انتهاء العمليات العسكرية سيعيد التركيز على التحقيقات والإجراءات القانونية المرتبطة به. وترى أن هذه المعطيات تجعل إنهاء الحرب أكثر تعقيدًا من الناحية السياسية بالنسبة لرئيس الحكومة الإسرائيلية.
وتلفت إلى أن الحرب أعادت تشكيل خريطة المنافسة السياسية داخل إسرائيل، حيث برزت شخصيات معارضة تسعى إلى استثمار حالة الاستياء من أداء الحكومة. وتعتبر أن رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت بات من أبرز الأسماء المطروحة كبديل محتمل لنتنياهو، إلى جانب زعيم المعارضة يائير لابيد، فيما يحاول رئيس حزب الديمقراطيين يائير جولان تعزيز حضوره السياسي مستفيدًا من التحولات التي فرضتها الحرب.
أما على المستوى الاقتصادي، فترى بدوي أن الولايات المتحدة تعد من بين الأطراف المستفيدة من استمرار الصراعات، في ظل ارتباط ذلك بزيادة مبيعات السلاح والاحتياجات العسكرية التي تفرضها الحروب الممتدة.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، تشير إلى أن بعض الدول تحقق مكاسب استراتيجية من استمرار الحرب. وتقول إن باكستان عززت حضورها السياسي والدبلوماسي من خلال استضافة مسارات تفاوض واتصالات مرتبطة بالأزمة، ما منحها دورًا أكبر على الساحة الدولية. كما ترى أن قطر تحقق مكاسب استراتيجية مرتبطة بدورها في الوساطات والجهود السياسية المتصلة بالحرب.
وتضيف أن روسيا قد تكون من بين الأطراف المستفيدة استراتيجيًا من انشغال المجتمع الدولي بالحرب في غزة والتصعيد الإقليمي، إذ يتيح ذلك لموسكو مساحة أوسع للتحرك في ملفات أخرى، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا، بعيدًا عن مستويات الضغط والاهتمام الدولي التي كانت تواجهها في فترات سابقة.
من جانبه، يرى المحلل السياسي أيمن الرقب أن المستفيدين من استمرار الحرب لا يقتصرون على نتنياهو وحده، بل يشملون أيضًا أحزاب اليمين الديني واليمين المتطرف داخل إسرائيل، وعلى رأسها حزب الليكود وأحزاب الصهيونية الدينية والقوة اليهودية.
ويقول “للقصة” إن هذه القوى تعتبر أن استمرار المواجهة يخدم خطابها السياسي ويعزز حضورها داخل الحكومة والمشهد العام، خاصة أنها تعتمد بصورة كبيرة على القضايا الأمنية في حشد مؤيديها.
ويشير الرقب، فإن نتنياهو كان يواجه قبل السابع من أكتوبر 2023 أزمة سياسية داخلية حادة تمثلت في الاحتجاجات الواسعة ضد مشروع التعديلات القضائية، مشيرًا إلى أن الحرب شكلت نقطة تحول سمحت له بتجاوز جزء كبير من الضغوط التي كانت تهدد استمراره في الحكم.
ويوضح إلى أن أحد أبرز التحولات التي كشفتها الحرب يتمثل في طبيعة المنافسة السياسية داخل إسرائيل، موضحًا أن الصراع لم يعد بين اليمين واليسار كما كان في السابق، بل أصبح بين أحزاب تنتمي في معظمها إلى المعسكر اليميني نفسه، ويرى أن اليمين لا يزال القوة المهيمنة على المشهد السياسي الإسرائيلي، وأن أي تغيير محتمل في المرحلة المقبلة قد يكون داخل هذا المعسكر أكثر من كونه انتقالًا إلى معسكر سياسي مختلف.
وعلى المستوى الاقتصادي، يقول الرقب إن شركات الصناعات العسكرية وتجار السلاح يظلون من أبرز المستفيدين من استمرار الحروب، في ظل تزايد الإنفاق العسكري وارتفاع الطلب على الأسلحة والمعدات الدفاعية كلما طال أمد الصراعات.
ورغم حديثه عن وجود أطراف تحقق مكاسب سياسية أو اقتصادية من استمرار الحرب، يلفت الرقب إلى أن الحروب الطويلة تحمل في النهاية كلفة باهظة على جميع الأطراف، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو السياسي، معتبرًا أن أي مكاسب قد تحققها بعض الدول أو القوى تبقى مؤقتة مقارنة بحجم الاستنزاف الذي تفرضه النزاعات الممتدة على المنطقة والعالم.
وبين حسابات البقاء السياسي داخل إسرائيل، ومصالح الصناعات العسكرية، والأدوار الإقليمية والدولية المتشابكة، تبقى الحرب في غزة نموذجًا لصراع تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية. وفي ظل غياب تسوية قريبة، يستمر الجدل حول الأطراف التي قد تخسر من توقف الحرب، وتلك التي ترى في استمرارها فرصة للحفاظ على مكاسب يصعب تحقيقها في أوقات السلام.