هل أصبح الذكاء الاصطناعي يتفوق فعلًا على البشر، أم أن الإنسان ما زال يحتفظ بالدور الحاسم الذي لا تستطيع الآلة تجاوزه؟
برز هذا السؤال جليًا مع إعلان Meta تسريح آلاف الموظفين بالتزامن مع توسيع استثماراتها الضخمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، فزاد الخوف حول مستقبل الوظائف البشرية، وحدود قدرة الآلات على استبدال الإنسان.
هل أصبح الـAI بديلًا للعقل البشري؟
نحن الآن في مرحلة انتقالية تشبه مرحلة بدايات التواصل الاجتماعي، إذ يمكن تحويل كل شيء تقريبًا إلى تقنية وآلة إذا أردنا ذلك، فعلى سبيل المثال، أصبح مساعد الطيار في بعض القطاعات طيارًا آليًا، لكن الأمر لم يصل بعد إلى درجة الاستغناء الكامل عن الوظائف المعقدة التي تتطلب عقلًا بشريًا، هكذا بدأ الدكتور هشام الناطور، خبير أمن وتكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني، حديثه لمنصة “القصة”.
ويتابع خبير أمن وتكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني أن لدينا اليوم أدوات ذكاء اصطناعي تقوم بالمهام الروتينية والمتكررة، مشيرًا إلى أن شركات مثل Meta وGoogle وAmazon وغيرها قلصت بشكل كبير وظائف الإشراف على المحتوى، بالإضافة إلى تنفيذها عمليات تسريح واسعة، مضيفًا أن خدمة العملاء تأتي في مقدمة الوظائف التي جرى استبدالها بالذكاء الاصطناعي.
ويوضح أن إدخال البيانات وبعض مهام الموارد البشرية استُبدلت بخوارزميات ونماذج لغوية قادرة على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات بتكلفة أقل، بينما تظل الوظائف التي تتطلب الإبداع أو التفكير النقدي، أو المهام الحساسة مثل الأعمال المصرفية أو هندسة البرمجيات المعقدة، بحاجة إلى العنصر البشري، إذ ما يزال الذكاء الاصطناعي فيها مجرد أداة لتسريع الإنتاجية وليس لاستبدال الإنسان.
ويستشهد بمثال في التحول الرقمي، إذ تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم في كتابة أكواد برمجية كانت تستغرق أسابيع، فأصبحت تُنجز في يوم واحد أو أقل بمجرد تزويدها بالـ”برومبت” الصحيح، لافتًا إلى أن كثيرًا من الشركات تفشل في استخدام هذه الأدوات بسبب أخطاء في المدخلات، فتكون النتائج خاطئة تبعًا لذلك.
ويؤكد أن شركة Meta استخدمت الذكاء الاصطناعي كعامل تمكين لإعادة هيكلة التنظيم الإداري، فحذفت طبقات الإدارة الوسطى، وهو ما أتاح للإدارة العليا الإشراف على فرق أصغر بفضل إعداد التقارير تلقائيًا، وتحليل الأداء، ومراقبة سير الأعمال.
ويشير الناطور إلى وجود مخاطر أمنية وخصوصية تتعلق بتتبع الموظفين بغرض تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، موضحًا أن بعض الشركات تجمع بيانات دقيقة مثل ضغطات لوحة المفاتيح، وحركة الماوس، وتصوير الشاشة، وحتى الحركة داخل المكاتب عبر كاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وذلك بحجة التدريب.
ويلفت إلى أن هذا الأمر يفتح الباب أمام تسريب بيانات حساسة، بسبب احتفاظ بعض النماذج بمعلومات سرية عن طريق الخطأ، مثل كلمات المرور، والأسرار التجارية، والتقارير السرية، مضيفًا أنها قد تُظهر أيضًا بيانات شخصية للعملاء بصورة غير مقصودة. كما أن وجود كل هذه البيانات في قاعدة واحدة يصنع ما يُعرف بـ”هوني بوت” جذابًا للقراصنة، بحيث يعني اختراق هذه القاعدة السيطرة على البصمة الرقمية لكل موظف.
ويوضح أن إجراءات شركة Meta تمثل مؤشرًا على تسريحات عالمية أوسع، لكن الذكاء الاصطناعي ليس المتهم الوحيد فيها، إذ جاءت تلك التسريحات أيضًا كرد فعل على التوظيف المفرط خلال جائحة كورونا، وانتهاء عصر الفائدة الصفرية.
ويضيف أن الذكاء الاصطناعي أسهم في تقليل إعادة التوظيف، بسبب اتجاه الشركات إلى الحفاظ على معدلات إنتاجية مرتفعة بقوة عمل أقل، مؤكدًا أن شعور الموظفين بالمراقبة يؤثر على الأمن السيبراني والحالة النفسية للعاملين، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية، فعندما يشعر الموظفون بالمراقبة المستمرة يلجؤون إلى استخدام أجهزة شخصية أو تطبيقات غير مصرح بها لإنجاز أعمالهم بعيدًا عن أعين الشركة، مما يخرج البيانات من مظلة الحماية الأمنية.
ويتابع أن التوتر المستمر يقلل من التركيز ويزيد من التعرض لهجمات التصيد والهندسة الاجتماعية، كما أن فقدان الثقة بين الموظف والإدارة يخلق بيئة عمل سامة، وقد يؤدي إلى مخاطر داخلية مثل التسريب أو التخريب بهدف إثبات فشل الأنظمة المستخدمة، وبذلك يتحول الموظف من مصدر حماية إلى مصدر تهديد.
الذكاء الاصطناعي سبق القوانين بعشرات السنين
ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي سبق القوانين بعشرات السنين، وبالتالي لا توجد تشريعات تواكب التطور اللحظي لهذه التكنولوجيا. ففي أوروبا، يمنع قانون الـGDPR استخدام بيانات الموظفين لتدريب النماذج من دون مبرر قانوني قوي أو موافقة صريحة، كما يمنع اتخاذ قرارات آلية بالكامل تؤثر على الموظف دون تدخل بشري، بينما تظل القوانين في الولايات المتحدة ومعظم دول العالم أضعف نسبيًا.
ويتابع أنه إذا وقّع أحد الموظفين على عقد يسمح بمراقبة أجهزة العمل واستخدام البيانات لتدريب الخدمات، فإن الشركة تحصل بذلك على غطاء قانوني، بالإضافة إلى وجود إرشادات أخلاقية مثل الشفافية وتقليل التحيز، لكنها تظل غير ملزمة قانونيًا.
ويشير إلى أن انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي يرتبط بجانبين؛ اقتصادي وتقني. فالأسواق المالية كافأت Meta على توجهها لخفض التكاليف وتوجيه الاستثمارات نحو شراء وحدات معالجة الرسومات، مما انعكس على ارتفاع سعر السهم. وفي المقابل، فإن الشركات التي لا تدخل أدوات الذكاء الاصطناعي في أعمالها قد تتأخر وتخسر السوق، كما حدث مع Nokia سابقًا.
ويختتم حديثه بالتحذير من فقاعة الذكاء الاصطناعي، لأن تكلفة البنية التحتية والتدريب عليه مرتفعة جدًا، في حين أن العوائد المباشرة ما تزال غير مؤكدة وبعيدة على المدى القصير، كما أن بعض الشركات تستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة تسويقية أكثر من استخدامه الفعلي، فتظهر وكأنها تعتمد عليه بالكامل، بينما يظل الواقع أكثر محدودية.