قال الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية، إن إيران لم تكن يومًا الطرف البادئ بالهجوم ففي الحرب الأولى التي استمرت 12 يوم تبين للحلفاء بعد توقف القصف أن طهران لا تزال تملك ما لا يقل عن 450 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% (وهي كمية تكفي لإنتاج ما يقرب من 10 قنابل نووية) مخبأة أو منقولة بعناية، مما يعني أن قدرتها التصنيعية لم تُمس.
وأوضح نافعة في حديثه لـ “القصة” أن هذا الفشل قاد إلى الحرب الثانية التي شهدت محاولة فاشلة للاستيلاء على المخزون عالي التخصيب، لتأتي النتائج مغايرة تمامًا للحسابات الأمريكية، إذ خرج النظام الحاكم أكثر تماسكًا، وبات يملك حافزًا إضافيًا لإنتاج السلاح النووي، والأخطر أنه فرض سيطرته الميدانية على مضيق هرمز، مما جعل الحصار البحري الأمريكي اللاحق على الموانئ الإيرانية قليل الجدوى، نظرًا لخبرة طهران الطويلة في الالتفاف على العقوبات طيلة نصف قرن.
وفيما يتعلق بسؤال: لماذا يغري خيار الحرب إدارة ترامب؟ أوضح نافعة أن موازين القوى تميل عسكريًا لصالح أمريكا وإسرائيل، لكن العبرة تكمن في القدرة على توظيف القوة وتحقيق الأهداف، مشيرًا إلى وجود ثلاثة محفزات قوية تدفع باتجاه الحرب.
وأضاف أن من بين هذه المحفزات الفجوة التفاوضية الواسعة، إذ تطلب واشنطن تفكيك المنشآت، ووقف التخصيب، وتسليم مخزون الـ60%، وتقليص البرنامج الصاروخي لحماية أمن إسرائيل، ووقف دعم الحلفاء في المنطقة، في المقابل تشترط إيران إنهاء الحرب على الجبهات كافة، خصوصًا الجبهة اللبنانية، بضمانات دولية، والإفراج عن أموالها المجمدة، وتخفيف العقوبات تدريجيًا بالتوازي مع التفاوض، ورغم تلميحات ترامب باقتصار هدفه على منع السلاح النووي، فإنه لا توجد مؤشرات على تخليه عن بقية الشروط.
وأشار إلى العامل الإسرائيلي “عقدة نتنياهو”، حيث يرفض بنيامين نتنياهو أي اتفاق يقتصر على الملف النووي، ويصر على تدمير الدولة الإيرانية، موضحًا أنه نجح في جر ترامب لحرب مباشرة بعد أن فشل مع كلينتون وأوباما وبايدن، ولا يزال يحاول إقناعه بالضرب مجددًا رغم انكشاف خداعه وتضليله المتعمد لترامب بمعلومات مفبركة في الحرب الثانية.
ترامب في مأزق سياسي
وأشار إلى المأزق السياسي لترامب، المتمثل في حاجته الماسة إلى نصر حاسم يوقف تراجع شعبيته ويساعد الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، تلافياً للتحول إلى “بطة عرجاء” قد تواجه إجراءات التنحية والمحاكمة.
وفي المقابل، استعرض نافعة، كوابح ثقيلة تفرمل اندلاع المواجهة الثالثة، والتي قد تدفع إيران، حال استهداف بنيتها التحتية المدنية ومنشآت الطاقة، إلى الرد بضرب منشآت النفط والغاز في الخليج مثل السعودية وقطر، مهددة الاقتصاد العالمي بأزمة غير مسبوقة.
وأوضح أن من بين هذه الكوابح حسابات الفشل السياسي، إذ تؤكد التقديرات صعوبة تحقيق ما عجزت عنه حربان، وأن الفشل في الثالثة سيعني حتمًا خسارة الجمهوريين للأغلبية في الكونغرس وكارثة شخصية لترامب.
وأضاف أن من بينها أيضًا الشرخ بين ترامب ونتنياهو، حيث تراجعت متانة العلاقة بعدما اتضح أن مشاركة أمريكا في الحرب الثانية استندت إلى معلومات صُممت لخدمة مصالح نتنياهو الشخصية وليس مصالح واشنطن، لافتًا إلى إعلان ترامب في 18 مايو 2026 إيقاف عملية عسكرية كبيرة ضد إيران قبل شنها بيوم واحد، بناءً على طلب قادة السعودية وقطر والإمارات، ما يعكس بدء إنصاته لحلفاء آخرين في المنطقة بعيدًا عن الرغبة الإسرائيلية المنفردة.
وأشار كذلك إلى تدمير المصالح الأمريكية، إذ إن هناك خشية من أن تؤدي الحرب إلى ردود فعل تفضي إلى تصفية المصالح الضخمة للشركات الأمريكية، بل وسحب القواعد العسكرية من دول الخليج حال تدمير مصادر الطاقة بالكامل.
وأكد نافعة بأن المشهد الإقليمي يقف عند طريق مسدود، بين حسابات تفوق عسكري عاجز عن الحسم الميداني، وقدرة إيرانية على الإفلات واستغلال أوراق الضغط الحارقة، بينما يظل قرار الحرب معلقًا بين لغة الأرقام الرشيدة والمقامرة السياسية غير مأمونة العواقب، متسائلًا: هل ينتصر صوت العقل الخليجي والدولي الكابح للمواجهة، أم تقود رغبة ترامب في النجاة السياسية واندفاع نتنياهو المنطقة نحو الهاوية؟