يعد الظهور الميداني لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عمق الجنوب اللبناني نقطة تحول استراتيجي تتجاوز البعد الاستعراضي لتضع الصراع الممتد على حافة معادلة صفرية جديدة، حيث يحمل ظهوره في هذا التوقيت دلالات عملياتية بالغة الحساسية، في وقت تسعى فيه تل أبيب لفرض واقع ميداني وأمني بديل عبر سياسة الأرض المحروقة بالتزامن مع رصد مؤشرات خرق عسكري وبدايات التراجع في خطوط الدفاع والمواجهة التقليدية لحسم المشهد لصالحه.
أزمة الداخل الإسرائيلي .. جولات التماس وسيلة لترميم الأسهم الانتخابية
وفي هذا الصدد، قال الدكتور إبراهيم الدراوي، الخبير في الشأن الإسرائيلي، في تصريحات خاصة لـ القصة: “إن الرسائل التي يقدمها بنيامين نتنياهو موجهة للداخل الإسرائيلي، خاصة أنه مقبل على انتخابات الكنيست ويريد حشد الجمهور حوله، وجولاته سواء في جنوب لبنان أو غزة أو مناطق التماس مع المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية، وحتى التصعيد تجاه إيران، تخدمه في أزماته ومشاكله الداخلية، لا سيما أن أسهمه في المعركة الانتخابية المقبلة بدأت تهبط وفي انخفاض دائم بسبب أزمته القضائية المستمرة التي قد تطيح به، فضلا عن الوضع الداخلي المزري اقتصاديا وعسكريا، والعبء المتمثل في ملف تجنيد الحريديم والمدارس الدينية المتطرفة.”
استراتيجية التدمير الشامل .. خطط الإحلال السكاني واستهداف الحاضنة الشعبية
وأشار الدراوي إلى أن الحزام الأمني الذي يرغب نتنياهو في فرضه، سواء باحتلال نحو 70% من قطاع غزة أو احتلال نحو 50 قرية جنوب نهر الليطاني في لبنان، سيكون سببا رئيسيا في أزمة عميقة داخل إسرائيل لكون التماس مع المقاومة سيكبد الجيش خسائر فادحة، مضيفا أن التدمير الكامل والشامل للبلدات في عمق الجنوب اللبناني يؤكد رغبة إسرائيل في خطة إحلال سكاني لا تجديد، عبر إبادة المباني لمنع عودة السكان، وهي الاستراتيجية المتبعة في غزة والضفة الغربية، وقد تتمدد إلى سوريا إذا حصلت تل أبيب على ضوء أخضر أمريكي، مستهدفة تصدير الأزمات المعيشية والسكنية لكي يتخلى الناس عن احتضان المقاومة وتجريدها من غطائها المدني، وهو ما نجحت فيه بنسبة 50% عبر التدمير.
مرونة حزب الله .. اللامركزية القتالية تفشل مخططات الشلل الكامل
وفي سياق متصل، قال الدكتور أحمد يونس، الباحث السياسي في الشأن اللبناني، في تصريحات خاصة لـ القصة: “رغم الضربات القاسية التي تلقاها حزب الله على مستوى البنية القيادية والعسكرية، فإن الحديث عن انهيار كامل للهيكل التنظيمي يبدو مبالغا فيه ويقع في إطار الحرب النفسية والإعلامية المتبادلة، والمؤشرات الاستخباراتية توحي بأن الحزب خسر جزءا من قدرته المركزية التقليدية، لكنه أعاد تكييف نفسه مع نمط قتالي أكثر مرونة يعتمد على اللامركزية وتوزيع القرار العملياتي على مجموعات صغيرة قادرة على التحرك باستقلالية نسبية، مما يجعل الشلل الكامل شبه مستحيل، كما أن استمرار إطلاق المسيرات الانتحارية والصواريخ الدقيقة نحو العمق الإسرائيلي يكشف احتفاظ الحزب بمنظومته الصاروخية وقدرته على الإخفاء والتموضع داخل بيئة تضاريسية معقدة بالجنوب والبقاع، مستفيدا من شبكة أنفاق ومنشآت مخفية وخلايا إطلاق متنقلة.”
ورقة ضغط إقليمية .. كواليس الحزام الأمني ومخاوف حرب الاستنزاف
وأكد يونس أن المشهد يشبه حرب استنزاف طويلة أكثر من كونه حسما عسكريا نهائيا، حيث تحاول إسرائيل فرض سيطرة ميدانية بالنار والتدمير الواسع، بينما يسعى الحزب لإثبات أن قدرته على الرد لم تكسر بالكامل لما يحمله استمرار إطلاق النار من رسالة ردع سياسية ومعنوية، موضحا أن فكرة الحزام الأمني تبدو أكثر تعقيدا من مجرد احتلال تقليدي دائم لإدراك إسرائيل أن البقاء الطويل سيحول المنطقة إلى ساحة استنزاف مفتوحة ترفع الكلفة البشرية، ولذلك تستخدم هذه الفكرة حاليا كورقة ضغط استراتيجية مرتبطة بمسار التفاوض الإقليمي الأكبر، سواء للضغط على بيروت من أجل ترتيبات أمنية جديدة أو لاستخدام الملف اللبناني ضمن التفاهمات الأمريكية الإيرانية ليصبح الجنوب جزءا من بازار النفوذ الإقليمي.