وسط ركام الحرب وتعقيدات المشهد الفلسطيني يبرز تساؤل مصيري يفرض نفسه بقوة حول من سيدير قطاع غزة في اليوم التالي للحرب لكون المعركة لم تعد عسكرية فقط بل أصبحت معركة على شكل السلطة والأمن ومستقبل القطاع بأكمله، فبين مخاوف الانزلاق نحو الفوضى الأمنية والحرب الأهلية تتصاعد التحركات الإقليمية والدولية لطرح خريطة طريق جديدة تقوم على إدارة انتقالية وقوات استقرار دولية وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وفي ظل تضارب المواقف تكشف النقاشات الجارية حجم الصراع حول مستقبل غزة ومن يملك قرار السلاح والإدارة وإعادة الإعمار في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ القضية.
مخاوف من الفوضى الأمنية وخطة من 15 بندًا
وفي هذا السياق يقول الدكتور أيمن الرقيب أستاذ العلوم السياسية في جامعة فلسطين في حديثه لمنصة القصة إن القضية الأساسية اليوم تتمثل في كيفية إدارة قطاع غزة بعد الحرب مشيرًا إلى أن الفصائل القائمة لا ترغب في الخروج الكامل من المشهد خاصة إذا جرى الانتقال إلى المرحلة الثانية دون وجود ترتيبات واضحة لملء الفراغ الأمني، موضحًا أن أي انتقال سياسي أو أمني دون وجود قوة قادرة على ضبط الأوضاع سيكون وصفة لحرب أهلية طويلة مؤكدًا أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى خلق حالة من الفوضى الداخلية عبر دعم تشكيل مجموعات ومليشيات مسلحة داخل القطاع بما يؤدي إلى انهيار السلم الأهلي.
ويشير الدكتور أيمن إلى أن خريطة الطريق المطروحة تُعد خطة طموحة تتكون من 15 بندًا موزعة على عدة مراحل وتركز بشكل أساسي على الانسحاب التدريجي للاحتلال بالتوازي مع ملء الفراغ الأمني عبر قوات استقرار دولية، مضيفًا أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة ستكون مسؤولة في المرحلة الأولى عن السيطرة التدريجية على الملف الأمني مع التأكيد على عدم إقصاء الموظفين أو الأجهزة الشرطية القائمة بل العمل على دمجهم بصورة تدريجية داخل المنظومة الأمنية الجديدة، لافتًا إلى أن الخطة تدرك جيدًا خطورة الفراغ الأمني وتسعى لمنع سيناريو الانقسام.
رفض المليشيات المسلحة وسلاح واحد تحت إدارة السلطة
ويبين أستاذ العلوم السياسية أن بعض الطروحات الإسرائيلية تدفع باتجاه إنشاء مليشيات مسلحة مرتبطة بالاحتلال لتكون بديلًا عن النظام القائم معتبرًا أن هذا الخيار سيقود مباشرة إلى حرب أهلية وانهيار كامل للوضع الداخلي، موضحًا أن البديل المطروح فلسطينيًّا وعربيًّا يقوم على الحفاظ على المؤسسات القائمة وعدم تفكيكها بالكامل مع إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بصورة تدريجية تتناسب مع الواقع الإنساني والأمني.
ويؤكد الرقيب أن التصورات المطروحة حاليًّا تتحدث عن بناء هيكل أمني جديد تابع للسلطة الفلسطينية مع استيعاب الهياكل القديمة على أن يكون السلاح الشرعي الوحيد بيد الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة خاصة الأجهزة الشرطية، مشيرًا إلى أن الإطار الإداري المقترح ليس بديلًا سياسيًّا لأي فصيل وإنما إطار مؤقت يهدف إلى إدارة القطاع وتحقيق الاستقرار بعيدًا عن الصراعات ليمهد نجاح هذه الخطة لاحقًا لملفات أكثر تعقيدًا مثل إعادة الإعمار ضمن توافق شامل.
جدل حول اللجنة الوطنية ووساطات لإنقاذ القطاع
ويلفت الرقيب إلى أن السلطة الفلسطينية رحبت في البداية بفكرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة لكنها عادت لاحقًا لتهاجمها وهو ما وصفه بالأمر الغريب خاصة وأن اللجنة ذات طابع إداري وليست بديلًا سياسيًّا عن أحد، موضحًا أن اجتماعات الفصائل في القاهرة شهدت شبه إجماع على دعم اللجنة باستثناء بعض التحفظات التي ظهرت لاحقًا لكون الهدف الأساسي من هذه اللجنة هو إدارة غزة إداريًّا وتسهيل عمل قوة الاستقرار الدولية إلى جانب دعم تشكيل قوة شرطية قادرة على ضبط الأمن.
ويختتم الدكتور أيمن الرقيب حديثه بالإشارة إلى وجود اجتماعات وحوارات مكثفة جرت بوساطة مصرية وتركية وقطرية وبالتعاون مع أطراف دولية من أجل التوصل إلى آلية للخروج من الأزمة الحالية، موضحًا أن نجاح أي خطة يتطلب توافقًا فلسطينيًّا شاملًا لتسهيل عمل قوات الاستقرار الدولية وتمكين الشرطة من السيطرة التدريجية على الوضع الأمني لتبدأ بعدها مرحلة الإعمار، مؤكدًا أن خطة الخمسة عشر بندًا تمثل حاليًّا الإطار الأكثر واقعية لتجاوز الأزمة ومنع انهيار القطاع.