تشهد التطورات الميدانية في قطاع غزة تصعيدًا جديدًا مع استمرار التحركات الإسرائيلية لإعادة رسم ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وسط اتهامات بمحاولة فرض واقع جغرافي جديد يتجاوز كونه إجراء عسكريا مؤقتا إلى مشروع يهدف لتكريس السيطرة على أجزاء واسعة من القطاع.
وفي ظل هذه التطورات، تتزايد التساؤلات حول مدى مشروعية هذه الإجراءات في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني، وما إذا كانت تمثل انتهاكًا لاتفاقات وقف إطلاق النار وقرارات الشرعية الدولية، أم أنها تمهد لمرحلة جديدة من فرض الأمر الواقع على الأرض.
توسيع الخط الأصفر وفرض واقع جديد
في هذا السياق قال الدكتور مخيمر، الخبير في الشأن الأسرائيلي، إن إسرائيل لم تكتفِ بالتمسك بالخط الأصفر، بل عملت خلال الأشهر الأخيرة على توسيعه ليضم مساحات إضافية من أراضي قطاع غزة، مشيرًا إلى أن بناء السواتر الترابية في بعض المناطق يأتي وفق الرواية الإسرائيلية تحت ذريعة حماية الجنود من الهجمات الفلسطينية، إلا أن هذه الخطوات تعكس في الوقت ذاته محاولة لفرض واقع ميداني جديد يمنح إسرائيل مساحة أوسع للسيطرة داخل القطاع.
الانتخابات الإسرائيلية ودوافع التمسك بالخط
وأوضح مخيمر أن اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلي، المتوقع إجراؤها في نهاية أكتوبر المقبل، يدفع الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى توظيف ملف الخط الأصفر انتخابيًا، عبر تصويره باعتباره إنجازًا أمنيًا وسياسيًا، ومحاولة تقديمه للرأي العام الإسرائيلي باعتباره خطًا حدوديًا لن يتم التراجع عنه، بما يخدم الخطاب الانتخابي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته.
مخالفة للاتفاقات واستغلال للظروف الإقليمية
وأشار الخبير في الشأن الأسرائيلي إلى أن التعديلات التي أجرتها إسرائيل على الخط الأصفر تتعارض مع تفاهمات شرم الشيخ، كما أنها لا تنسجم مع خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بوقف إطلاق النار.
وأضاف أن الحكومة الإسرائيلية تبرر هذه الإجراءات بعدم موافقة حركة حماس حتى الآن على تنفيذ ملف نزع السلاح وفق ما تضمنته الخطة الأمريكية وقرار مجلس الأمن رقم 2803، معتبرًا أن انشغال الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية بتطورات الحرب مع إيران منح إسرائيل مساحة أكبر للتحرك وفرض هذه التغييرات على الأرض.
وأكد مخيمر أنه يستبعد تحول الخط الأصفر إلى حدود دائمة، موضحًا أن مساحة قطاع غزة لا تتجاوز 365 كيلومترًا مربعًا، بينما أصبحت إسرائيل تسيطر على نحو 65% من أراضيه، في حين يتركز قرابة مليوني فلسطيني داخل ما تبقى من مساحة لا تتجاوز 35% من القطاع، وهو وضع لا يتوافق مع مبادئ القانون الدولي أو مع خطة إعادة إعمار غزة وإعادة تشغيل الميناء، كما يتعارض مع خطة الرئيس الأمريكي وقرارات الشرعية الدولية.
وأشار إلى أن إسرائيل ستواصل تحميل حماس مسؤولية استمرار بقائها في الخط الأصفر إذا استمر الخلاف حول ملف نزع السلاح، إلا أنه في حال تنفيذ التفاهمات المتعلقة بهذا الملف فلن يبقى، من وجهة نظره، أي مبرر لبقاء القوات الإسرائيلية في تلك المنطقة، وسيصبح الانسحاب إلى الحدود المنصوص عليها في الخطة الأمريكية هو الخيار المفترض.
الخط الأصفر.. من خط تماس مؤقت إلى حدود يفرضها الاحتلال
وفي إطار اخر قال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، إن الصور التي نشرتها وكالة رويترز، والتي أظهرت مواطنين في حي الزيتون يحملون متعلقاتهم بجوار الكتل الخرسانية الصفراء التي يُزيحها الجيش الإسرائيلي غربًا في خمسة أحياء على الأقل، تؤكد أن الخط الأصفر الذي كان يُقدَّم باعتباره خطًا مؤقتًا أصبح يتحول تدريجيًا إلى حد احتلال دائم.
وأضاف أستاذ القانون الدولي العام أن تصريحات رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، التي وصف فيها الخط بأنه “خط حدود جديد” وخط للدفاع والهجوم في آن واحد، إلى جانب تعليمات وزير الأمن يسرائيل كاتس بوضع حجارة ترسيم صفراء على امتداده، تكشف عن نية إسرائيل تثبيت هذا الواقع ميدانيًا بصورة دائمة.
انتهاكات قانونية وخرق لاتفاقيات دولية
وأكد الدكتور مهران أن القانون الدولي لا يجيز لإسرائيل البقاء بهذه الصورة داخل الأراضي المحتلة، موضحًا أن المادة (47) من اتفاقية جنيف الرابعة تمنع أي تغيير للوضع القانوني للأراضي المحتلة أو حرمان سكانها من حقوقهم، فيما تحظر المادة (49) التهجير القسري للسكان وتعتبره جريمة حرب.
وأضاف أن المادة (26) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تلزم الدول بتنفيذ التزاماتها بحسن نية، وبالتالي لا يحق لإسرائيل تعليق الانسحاب أو تعديل الاتفاقات من جانب واحد، مشيرًا إلى أن توسيع السيطرة الإسرائيلية على القطاع يمثل انتهاكًا صريحًا لاتفاق وقف إطلاق النار.
الخط الأصفر لا يكتسب أي شرعية دولية
وأوضح أستاذ القانون الدولي العام أن الخط الأصفر لا يمتلك أي صفة قانونية كحدود دولية أو دائمة، وإنما يمثل خط انسحاب مؤقت نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار باعتباره مرحلة انتقالية تسبق انسحابات أوسع.
وأضاف أن تثبيت هذا الخط أو توسيعه يندرج ضمن سياسة “الضم الزاحف”، وهو ما تحظره أحكام القانون الدولي وقرار مجلس الأمن رقم 2334، فضلًا عن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 2024، والذي أكد عدم مشروعية الاحتلال الإسرائيلي وضرورة إنهائه والانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
أدوات قانونية متاحة وتحذير من تكريس الأمر الواقع
وأشار مهران إلى أن المجتمع الدولي يمتلك أربع آليات قانونية للتعامل مع هذه الانتهاكات، تشمل تحرك مجلس الأمن، واللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرار “الاتحاد من أجل السلام” رقم 377، وتنفيذ التدابير التحفظية الصادرة عن محكمة العدل الدولية، إضافة إلى اتخاذ الدول إجراءات مضادة مشروعة وفق قواعد القانون الدولي لإلزام إسرائيل باحترام التزاماتها.
واختتم أستاذ القانون الدولي العام بالتأكيد على أن الصمت الدولي تجاه إزاحة الخط الأصفر ووضع حجارة الترسيم يشجع على تكريس سياسة الضم التدريجي، محذرًا من أن الفلسطينيين أصبحوا محصورين في نحو 36% فقط من مساحة قطاع غزة، وأن استمرار هذا النهج قد يحول الإجراءات الميدانية المؤقتة إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه مستقبلًا، في مخالفة واضحة لقواعد القانون الدولي والشرعية الدولية