تشهد منطقة الخليج تحولات لافتة في مقاربتها للتصعيد الإقليمي المتزايد مع إيران، في ظل الحرب الدائرة وتداعياتها السياسية والأمنية.
وتحاول دول مجلس التعاون الخليجي الموازنة بين حماية استقرارها الداخلي ومشروعاتها التنموية من جهة، والتعامل مع التهديدات الإقليمية المتصاعدة من جهة أخرى.
الخليج يحاول تأجيل الحرب
يقول الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية، لـ”القصة”، إن الصحف والمواقع الأمريكية والإسرائيلية، ومن بينها صحيفة “نيويورك تايمز”، تتناول أن الدول الثلاث – المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات، وقطر – تطلب تأجيل الحرب أو إلغاءها على إيران.
ويضيف: “أعتقد أن لكل دولة دوافعها، فالجميع يرغب في قدر أكبر من التحصين، والأقرب أن الجميع يسعى إلى تأجيل أي حرب قبل عيد الأضحى المبارك”.
ويؤكد “الرقب” أن الرغبة في تأجيل الحرب تعود لعدة أسباب، أولها أنه يوجد حاليًا مئات الآلاف من الحجاج الذين يصلون إلى المملكة العربية السعودية استعدادًا لموسم الحج، وبالتالي فإن اندلاع حرب يجعل من الصعب، بل ومن شبه المستحيل، إخلاءهم.
ويضيف أن المسارات تبدو واضحة، وأن الخيار الأساسي يتمثل في التوصل إلى حلول سلمية، خاصة أن دول الخليج تدرك أن الحسم العسكري مع إيران لن يكون في صالح المنطقة على المدى البعيد، رغم خطأ إيران في استهدافها للدول العربية أو المعسكرات والمواقع العسكرية الأمريكية.
الخليج لن يعود كما كان
ويشير إلى أن الخليج لن يعود كما كان بعد هذه الحرب، وأن مجلس التعاون الخليجي يصبح لديه تحديات في التعامل مع الملفات المختلفة. ويؤكد ضرورة استخلاص العبر مما يحدث، وإعادة بناء الحالة العربية من خلال تفعيل حقيقي لاتفاقية الدفاع المشترك، وعدم الارتهان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أو البحث عن شركاء جدد قادرين على تقديم الدعم في أوقات الأزمات بدلاً من الاعتماد الكامل على واشنطن.
ويضيف أن موقف الإمارات لا يخرج عن الإطار الدبلوماسي، موضحًا أن ما تقوم به يقتصر على الدفاع عن نفسها، ولا تشن أي هجوم مباشر على إيران، بل تدافع عن أراضيها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
ويشير إلى أن تقارير تتحدث عن إطلاق نحو 600 صاروخ باليستي ومئات الطائرات المسيرة على الإمارات، ومع ذلك تقوم أنظمة الدفاع الجوي بإسقاط معظمها، وهو ما يُحسب لها في ضبط النفس حتى هذه اللحظة، بحسب ما ورد في التقارير، مع عدم وجود مصدر رسمي يؤكد رغبتها في العودة إلى الحرب أو التصعيد.
ويستكمل أن الإمارات دولة صغيرة من حيث المساحة وعدد السكان، وبالتالي فإن خوض حرب مع دولة بحجم إيران يُعد أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة أنها دولة ذات طابع عقائدي، وبالتالي فهي لا ترغب في الحرب، إلا أن ما يحدث يأتي في سياق الاستفزازات الإيرانية.
ويختتم الرقب: “كما أشرت، فإن الخليج بعد هذه الحرب لن يكون كما كان، ومجلس التعاون الخليجي سيحتاج إلى مراجعات كبيرة. لذلك فإنها فرصة للعرب لتوحيد صفهم بشكل أكبر، والبحث عن شركاء جدد، حيث كان هناك توجه سابق للانضمام إلى مجموعة شنغهاي وبريكس، وهي اتفاقيات من شأنها تغيير مسار العلاقات الاستراتيجية مع حلفاء دوليين غير الولايات المتحدة الأمريكية، ولا أعتقد أن هناك انشقاقًا كبيرًا في التعامل مع الملفات الأساسية، لكن كل دولة تحاول الحفاظ على مصالحها والخروج بأقل الخسائر من هذه الحرب”.
اختلاف المقاربات الخليجية
ومن رؤية تحليلية للعلاقات الدولية، يقول الدكتور إبراهيم جلال فضلون، خبير العلاقات الدولية، إن هناك اختلافًا حقيقيًا وملموسًا في المقاربات الخليجية تجاه التصعيد مع إيران، لكنه اختلاف يُحكم بـ”إدارة المخاطر” وليس بالضرورة صراعًا استراتيجيًا صفريًا، فاختيار السعودية وقطر للاستقرار يعكس توافقًا ضمنيًا على أن كلفة الحرب أعلى بكثير من كلفة الدبلوماسية، بينما يمثل الموقف الإماراتي تكتيكًا مختلفًا يركز على الردع الاقتصادي والأمني المتوازن.
ويُوضح “إبراهيم جلال” أن المملكة العربية السعودية تتبنى اليوم استراتيجية “صفر مشاكل إقليمية” لحماية مشروعها التنموي الضخم (رؤية 2030)، لذلك فإن اختيارها للتهدئة لا يعكس ضعفًا، بل قرارًا سياديًا يدرك أن أي حرب إقليمية شاملة تعطل خطط التحول الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتسعى لتحقيق الاستقرار عبر قنوات دبلوماسية مباشرة مع طهران (امتدادًا لاتفاق بكين).
ويضيف أن قطر تتفق مع الرياض في نهج التهدئة، وتعتمد على دبلوماسيتها المرنة كجسر للتواصل، إذ إن أي تصعيد عسكري يشكل خطرًا مباشرًا على أمن الطاقة وحرية الملاحة في الخليج، وهي ملفات حيوية لاقتصادها.
الإمارات بين جبهتين
ويشير إلى أن موقف الإمارات يوازن بدقة متناهية بين جبهتين؛ فمن جهة، تمتلك أبوظبي علاقات تجارية واقتصادية ضخمة مع إيران وتسعى لحمايتها وتجنب أي رد فعل إيراني مباشر على أراضيها، ومن جهة أخرى، لديها توجس أمني عميق من النفوذ الإقليمي الإيراني وشبكة وكلائه، مما يجعلها أحيانًا أكثر ميلًا لممارسة “ضغوط حازمة” (ردع) لمنع طهران من تغيير قواعد الاشتباك، دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وينوه إلى أن التهدئة والوساطة مقابل استمرار الضغط يمثل محورًا يعكس تباينًا واضحًا في الأدوار الوظيفية للدول الخليجية في السياسة الخارجية؛ إذ تعتمد قطر وعُمان على الوساطة والتهدئة، حيث تمتلك مسقط إرثًا تاريخيًا طويلًا في “الحياد الإيجابي” وعلاقات ثنائية استثنائية مع طهران، وترى في نفسها صمام أمان لمنع الانفجار الإقليمي، بينما تستثمر الدوحة علاقاتها الجيدة مع إيران – التي تعززت بفعل حقل غاز الشمال المشترك – لتلعب دور الوسيط المقبول من طهران ومن الحليف الأمريكي في آن واحد، بدوافع أمنية (تجنب الشظايا) وسياسية لتعزيز المكانة الدولية كصانع سلام.
إعادة صياغة المفهوم الأمني
ويؤكد أن الدول الخليجية تدرك من خلال إعادة صياغة المفهوم الأمني أن المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية لم تعد “شيكًا على بياض”، وأن الحلفاء الغربيين قد لا يتدخلون عسكريًا لحماية المنشآت النفطية أو الاقتصادية الخليجية إذا لم تتعرض مصالحهم المباشرة للخطر.
ويشير إلى أن الدبلوماسية الخليجية تمتلك اليوم أوراق قوة غير مسبوقة بفضل الفائض المالي، والمكانة الجيوسياسية، والعلاقات المتوازنة مع القوى العظمى (أمريكا، الصين، روسيا).
آليات دبلوماسية مقترحة لخفض التصعيد:
منصة حوار إقليمي مستدام (خليجي – إيراني): تنتقل من اللقاءات الثنائية المؤقتة إلى مأسسة الحوار عبر مظلة مجلس التعاون الخليجي، للتباحث في ملفات الأمن البحري، والخطوط الساخنة لمنع الاحتكاك العسكري، والتعاون البيئي والمناخي.
صيغة “الأمن مقابل التنمية”: تقود السعودية والإمارات مبادرات استثمارية واقتصادية إقليمية تشمل إيران (بشرط التزامها بالتهدئة والكف عن دعم الميليشيات)، حيث يصبح ربط مصالح طهران الاقتصادية باستقرار الخليج أقوى أدوات الردع الدبلوماسية.
الوساطة الخليجية المتكاملة: تُوزع الأدوار، بحيث تقود قطر وعُمان خطوط الاتصال الخلفية بين واشنطن وطهران لحل الملف النووي، بينما تقود السعودية التوازنات السياسية الكبرى في ملفات اليمن وسوريا ولبنان لضمان كبح نفوذ الوكلاء الإيرانيين.
السلام البارد الحذر
ويختتم بأن السيناريو المستقبلي الأرجح يتمثل في استمرار حالة “السلام البارد الحذر”، إذ لا تصبح إيران حليفًا لدول الخليج بسبب الخلافات الأيديولوجية والجيوسياسية العميقة، إلا أن الدبلوماسية الخليجية – بقيادة الرياض وبمؤازرة العواصم الأخرى – تنجح في تحويل الصراع من مواجهة عسكرية مدمرة إلى منافسة سياسية ودبلوماسية تُدار تحت سقف السيطرة، بما يضمن استمرار قطار التنمية الخليجي دون توقف.