إليكم المقال الذي وعدت به في مقالي السابق عن المواقف الثلاثة التي كانت مثار لغط في مسيرة حمدين صباحي، وقلت إنني سأكتب عنها تفصيلًا، وهي:
- الموقف الأول: كان قراره بمشاركة بعض أبناء تياره في قائمة واحدة مع قائمة الإخوان في انتخابات البرلمان سنة 2011.
- الموقف الثاني: يوم أن قبل أن يشارك في الانتخابات الرئاسية سنة 2014، واتهموه بأنه كان محللًا.
- الموقف الثالث: يوم أن رفض الاستجابة للمطالبات بانسحابه من هذه الانتخابات بعد أن رأى التجاوزات في أول يوم للإدلاء بالأصوات.
ونبدأ بالموقف الأول:
ليس خافيًا على أحد ما هو موقف الناصريين من تنظيم الإخوان المسلمين ومشروعهم الذي نرى أنه مناقض لأبسط مبادئ النظرية الوطنية والفكرة القومية من أساسها؛ لأنه باختصار يستند إلى فكرة العالمية والتنظيم الذي سيسيطر على الأوطان التي بها أغلبية إسلامية ويقيم دولة الخلافة مرة أخرى، وتحت هذا اللواء لا فرق بين مصر وإندونيسيا عندهم، فمصلحة التنظيم والخلافة الإسلامية مقدمة على مصلحة الأوطان نفسها.
وليس خافيًا على أحد يوم قال مرشد الإخوان عاكف: “طظ في مصر”، لذلك نحن نعتقد أن هناك خلافًا عقائديًا بيننا وبينهم يجعل من أي مشروع مشترك بيننا وبينهم هو محض تلفيق سياسي وقَفْزًا على حقائق المشروعين.
ولكن في أجواء ثورة 25 يناير، بدا أن هناك مراجعات لدى كل التيارات تتشكل، والحالة غير المسبوقة التي شهدها الميدان في الـ 18 يومًا من قبول كل التيارات لبعضها والبعد عن التناقضات والخلافات والبحث عن القواسم المشتركة، جعلت الجميع يفكر في أفق مختلف للمستقبل.
ومن هنا وجدت قيادات ناصرية كثيرة -وعلى رأسهم صباحي- يتحدثون عن مشروع جامع ينضوي تحت لوائه كل القوى التي شاركت في الثورة، وترك إرث الماضي من خلافات بين هذه التيارات وبعضها والتطلع للمستقبل بروح جديدة.
وأشهد أنه كان هناك رأي معارض لهذه الفكرة، وكنت أنا أحد الذين يتبنونه، ودخلنا في حوارات كثيرة طالت بعد خروجنا من الميدان.
وأذكر أن حمدين كانت لديه قناعة بأن أي مشروع يغفل أيًا من الأبعاد الأساسية لتكوين ومكونات التيارات السياسية الفاعلة في المجتمع المصري (القومي والإسلامي والاشتراكي والليبرالي) هو خطأ فادح في حق مستقبل قد بدأناه للتو من الميدان بوحدة هذه التيارات والنضال معًا على هدف واحد هو إسقاط النظام، وعليه يجب أن يتأسس هذا التحالف ومطالبة أنفسنا وبقية التيارات بمراجعات فكرية تجعل من ذلك التحالف ممكنًا.
وجاء الامتحان مبكرًا في الاستعداد لانتخابات البرلمان في نهاية عام 2011.
وبدأ حوار بين التيارات المدنية بتنوعها لتشكيل قائمة موحدة للدخول بها في السباق الانتخابي، وللأسف دبت الخلافات بينهم وانقسموا إلى قائمتين: قائمة “الثورة مستمرة” وقائمة “الكتلة المصرية”، ولم يتمكن حمدين وأقطاب تياره من الاتفاق على عمل تحالف انتخابي موحد.
وقبل صباحي دعوة الإخوان لحوار -ومعه آخرون من القوى المدنية- على عمل تحالف انتخابي واسع يضم القوى السياسية بما فيها الإخوان، حيث تم عقد عدة اجتماعات تحت عنوان “التحالف الديمقراطي من أجل مصر”، والذي تولى الدكتور وحيد عبد المجيد -المفكر والسياسي المدني غير المحسوب إلا على التيار المدني- رئاسة لجنة التنسيق الانتخابي به، وأصبح التحالف يضم 28 حزبًا سياسيًا. ولأمانة الشهادة، مثلما كان يؤيد هذا الحوار بعض أقطاب التيار وبعض مرشحي تياره للبرلمان، كان هناك أفراد وأقطاب أخرى ضد هذا الحوار من أساسه، وكنت أنا أكثر الأفراد تشددًا وظللت أحارب هذه الفكرة وذاك الحوار حتى اللقاء الأخير الذي حدث في اجتماع بمقر حزب الكرامة.
وأذكر أنني أكدت على مقولة نصها: “بلاش يا حمدين، والله ستكون كارثة لو تم هذا الاتفاق وسندفع أثمانًا فادحة”، وكان ذلك أمام معظم أقطاب التيار الناصري وحزب الكرامة، ولكن حمدين -أملًا في الوحدة ونبذ الخلاف وترك إرث الماضي- كان يميل لاستنفاذ أفق هذا الحوار.
وللأمانة التاريخية، كان هناك عامل إنساني قد أثر في قراره بالموافقة على هذا التحالف الانتخابي، وهو الاستجابة لبعض أعضاء التيار الذين كان لديهم أشواق لتمثيل الشعب في البرلمان ولم تفلح محاولات تحالفهم مع قائمتي التيار المدني، خاصة وأن هؤلاء قد زُورت الانتخابات ضدهم إبان عصر مبارك ودفعوا أثمانًا من السجن والتنكيل بهم عبر سنوات، وكان لهذا العامل الإنساني أثره في قراره.
وهذا اللغط الحادث حتى الآن حول هذه الواقعة له ما يبرره في رأيي، ولكن صباحي نفسه قد اعترف في شهادته التاريخية التي عنوانها “نصيبي من الخطأ” بخطئه في هذا القرار، ليس تراجعًا عن إيمانه بضرورة الاهتمام بالبعد الديني والقومي معًا إن أردنا أن نبني مستقبلًا مختلفًا، ولكن قال إنه أخطأ لأنه أعتقد في حينها أن تنظيم الإخوان من الممكن أن يطور أو يعدل أو يتخلى عن بعض أسس مشروعه.
فِلِمَ لا يحرك جمود الجماعة ومنهجها الحدثُ الأعظم الذي زلزل مصر في يناير 2011؟ واستدل حمدين في شهادته التي نُشرت عام 2022 بإن ذلك كان واردًا بما فعله يحيى السنوار في دستور حركة حماس عندما غير في دستورها عام 2017 وأزال مقولة إن فلسطين إسلامية واستبدل ذلك بـ “فلسطين العربية”، إلى آخر التعديلات الجوهرية في ميثاق حركة حماس حتى إنه أزال أنها فرع من جماعة الإخوان المسلمين، وأزال أي صبغة دينية عن الحركة وجعلها حركة تحرر وطني وأبقى فقط على مرجعيتها للحضارة العربية الإسلامية.
ولابد لأي منصف أن يضع حادثة التحالف الانتخابي بين رفاق حمدين والإخوان في عام 2011 في إطار ظرفها الزمني، ففي تلك الفترة كان الإخوان يدركون أنهم ما زالوا في مرحلة الاستضعاف طبقا لأدبياتهم، فكانوا يتصنعون حبًا ويخطبون ود الجميع.
فعلى سبيل المثال، في ميدان التحرير إبان ثورة يناير في الـ 18 يومًا وما بعدها من تجمعاتها المتتالية، كان لدي تحفظ من الاقتراب منهم، ولكنهم استطاعوا إزالة هذا التحفظ بمعاملتهم لي والتي اتسمت بالحفاوة البالغة -وأقول ذلك كي أكون أمينًا وصادقًا- ولي واقعة شخصية مع الدكتور محمد مرسي لكنها دالة على نهجهم في هذه الأيام؛ ففي ميدان التحرير حيث كان هو ورفاقه من رموز الجماعة حاضرين، وجدته يقترب مني ويسلم عليّ ويقول لي: “أهلًا يا باشمهندس.. ما تستغربش، أنا عارف إنك خريج هندسة جامعة الزقازيق، ولكن للاسف أنا درست في هذه الجامعة بعد تخرجك منها ولم ينلني شرف أن أدرس لك” -هل لاحظت أيها القارئ كلمة “شرف” التي استخدمها؟- وبعد طول إشادة بأفلامي ودوري في التمهيد للثورة والمشاركة فيها، بل وتطرق الأمر لشكرِي في حماية المتحف المصري وعندها اندهشت؛ فما حدث أمام المتحف كان هو رهين محبسه وقتها، وأدركت مدى دأبهم وعملهم كمؤسسة تتابع الجميع.. وطلب مني صورة وقال نصًا: “عايز أتطور معاك عشان أفرح العيال”.
وللأمانة، وأنا أكثر المتشددين ضد جماعتهم وتاريخهم الأسود، وجدت نفسي في الميدان قابلًا للتعاون معهم.
فما بال حمدين صباحي لا يلين بحكم تكوينه الفكري، حيث إن فكرة الإسلام والعروبة هي فكرة أصيلة بداخله وهي أحد مكونات عقيدته السياسية؟ لذلك كان طبيعيًا منه هذا السلوك وأن ينخدع فيهم صباحي ويتمنى أو يفترض حسن نيتهم، خاصة أنه تلقى من أحد قياداتهم وهو صديق عمره الذي لا يكذبه وزوج أخته -القيادي الإخواني محمد عامر- تأكيدات أنهم صادقون في منهجهم الجديد، واستشعر جديًا صدق نيتهم للمراجعَات.
إذا وضعنا كل ذلك في إطار الزمان والمكان والظروف الموضوعية أو حتى الشخصية، سوف تستطيع أن تقرأ الموقف وتحلله تحليلًا سليمًا دون تجن أو قلب للحقائق، وساعتها لن تجد الهجوم على صباحي يذهب من النقيض إلى النقيض، فيتراوح الهجوم عليه من أنصار النظام الحاكم وكأنه حليف للإخوان وأحد الخلايا النائمة لهم من جهة، ومن جهة أخرى يتلقى سهام الهجوم واللعنات من الإخوان وأنصارهم على أنه أحد الموالين للنظام الحاكم -وإن كان بوجه معارض- بل وتصل الاتهامات لتجعله أحد أدوات النظام وأحد المسؤولين عن دمائهم وسجنهم، فيقع دائمًا بين المطرقة والسندان.
لكن باستثناء هذا الموقف، هل وجدنا صباحي لينًا في منافستهم في الانتخابات الرئاسية..؟ كان خصمًا شرسًا لهم. هل كان متهاونًا معهم عندما حكموا مصر في السنة السوداء؟ بالعكس، كان صباحي هو من يقود الجماهير ضدهم، وكان هو المبادر بجمعة الحساب قبل الإعلان الدستوري، وطال شبابَه الأذى على أيدي ميليشيات الجماعة في ميدان التحرير.
ألا ينكر المتطاولون عليه أنه كان الرمز الكبير في ثورة 30 يونيو؟ وخططه للتجهيز لذلك اليوم يشهد بها كل من شاركوا في هذا الحدث العظيم. وسلوكه ومواقفه حتى اليوم تعبر بجلاء عن الوقوف والتصدي لمخططاتهم، برغم معارضته الواضحة للنظام الحاكم.
استقيموا يرحمكم الله، ولتكونوا منصفين في رواية التاريخ أو الشهادة عليه.
وحيث إن الموقف الأول قد طال، فأكتفي به، وإلى مقال آخر أستطيع أن أشرح فيه الموقفين الباقيين الخاصين بانتخابات الرئاسة سنة 2014.