باحث في الشأن الإسرائيلي: “أنقرة تريد تثبيت معادلة تقول إن إسرائيل لم تعد مجرد طرف في حرب غزة، بل طرف يهدد التوازن الإقليمي كله”
محلل سياسي تركي: “لا أحد يتصور أن يكون هناك صلح بين تركيا ونتنياهو، والمحاكم القائمة مستمرة حتى الوصول إلى حكومة معتدلة”
لم يعد الصدام التركي الإسرائيلي مجرد أزمة دبلوماسية، بل تحول إلى صراع وجودي على “هوية النظام الإقليمي” القادم بين إصرار أنقرة على رحيل حكومة نتنياهو، و مقامرة الأخير بإشعال “فوضى كبيرة” للبقاء في السلطة، تشتعل الجبهات السياسية والقانونية.
تصعيد محسوب أم إعلان قطيعة؟
“تركيا رفعت السقف في اللغة والموقف والرد المباشر على نتنياهو، لكنها لم تنتقل إلى قطيعة شاملة أو إلى منطق مواجهة مفتوحة”، وأن المعنى الأهم هنا أن أنقرة تريد تثبيت معادلة تقول إن إسرائيل لم تعد بالنسبة لها مجرد طرف في حرب غزة، بل طرف يهدد التوازن الإقليمي كله ويحاول توسيع دوائر التوتر من ساحة إلى أخرى وفقًا لـ الباحث في الشأن الإسرائيلي، أبو بكر خلاف في حديثه لـ”القصة”.
هذا الطرح يدعمه المحلل السياسي التركي فراس رضوان أوغلو في حديثه لـ “القصة” الذي يرى أن تركيا كانت تسعى لتصحيح المسار قبل سنتين، ولكن عندما حصلت حرب غزة والإبادة هناك، قررت تركيا أن لا تتعامل بعد اليوم سياسياً مع هذه الحكومة”، مشددًا على أنه لا أحد يتصور أن يكون هناك صلح بين تركيا ونتنياهو، فالمحاكم القائمة بين الطرفين مستمرة، وأنقرة تسعى لرحيله وصولاً إلى حكومة معتدلة وليست متطرفة.
توقيت “الرسائل المزدوجة” نحو واشنطن
“اختيار تركيا لهذا التوقيت لرفع سقف التصعيد ليس منفصلاً عن السياق الإقليمي، فالمنطقة دخلت لحظة حساسة بعد محاولات تثبيت تهدئة بين واشنطن وطهران”، هكذا يقول خلاف، مشيرًا إلى أن أي تصعيد إسرائيلي إضافي في هذا التوقيت يفهم باعتباره محاولة لإرباك مسارات التهدئة وإعادة خلط الأوراق قبل أن تستقر المنطقة على توازنات جديدة.
ويرى رضوان أوغلو أن التصعيد التركي ليس محاولة لتفاهمات مع واشنطن، بل هو “رسالة من تركيا لإسرائيل بأن أنقرة لن تقبل بتهديد ملفاتها الأمنية، فإسرائيل تريد أن يكون لها يد عليا في سوريا، لبنان، إيران، شرق المتوسط، وحتى محاولة إيجاد موقع في الخليج العربي، مؤكدًا أن التصريح التركي الحاد يهدف لإظهار أن “إسرائيل تضر بحلفاء الولايات المتحدة تضر بتركيا، السعودية، قطر، وحتى مصر”.
شخصنة الصراع.. أردوغان يرفع الكلفة
“هذا السجال ليس شخصياً فقط، بل يعكس صراعاً على “الرواية”، نتنياهو يحاول تصوير تركيا كطرف متدخل، بينما أردوغان يحاول تثبيت صورة معاكسة تقول إن نتنياهو هو مصدر التوسع والتعطيل”، وفقًا لـ “خلاف” الذي يشير إلى أن أنقرة اختارت أن تنقل خلافها من مستوى الإدانة العامة إلى مستوى المواجهة السياسية الشخصية مع رئيس الحكومة الإسرائيلية نفسه، لرفع الكلفة المعنوية والسياسية عليه.
فراغ الوساطة وملفات “النار”
فيما يخص علاقة تركيا بالوساطة، يرى أبو بكر خلاف أن تركيا “فقدت جزءاً كبيراً من موقع الوسيط المقبول لدى إسرائيل، لكنها حافظت على موقع الوسيط الإقليمي النشط في الملفات الأوسع بين واشنطن وطهران”.
بينما يرى فراس رضوان أوغلو أن دور الوسيط الأهم حالياً هو بين الولايات المتحدة وإيران، أما في لبنان “فتركيا ليس لها ذاك التأثير العميق في السياسة الداخلية رغم أهميتها”، مشيراً إلى أن ثقلها الأكبر يتركز في سوريا، ويؤكد أوغلو بوضوح أن “تغير السلوك التركي مرتبط بسلوك الحكومة؛ فنتنياهو يريد فوضى كبيرة وهذا يعني استمرار الصدام مع تركيا”.
أبعاد أمنية وسيناريوهات الاحتواء
لم يخل الصدام من بعد أمني، حيث أظهر الهجوم الذي وقع قرب القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول أن أنقرة تريد “الفصل بين التصعيد السياسي ومنع الانفلات الأمني داخل أراضيها”.
وعن المستقبل، يرى أبو بكر خلاف أن “السيناريو الأقرب هو احتواء التصعيد مع استمرار الأزمة السياسية، فالمشهد سيبقى توتراً مرتفعاً لكنه مضبوط”، بينما يظل التحذير قائماً من أن تركيا لن تسمح لإسرائيل وحدها أو لأي تفاهمات دولية تتجاهلها بأن تعيد رسم المشهد الإقليمي.