عاد ملف ترسيم الحدود البحرية وصراع الحصص في شرق المتوسط إلى الواجهة السياسية والدبلوماسية بقوة، عقب الإعلان الرسمي الصادر في 22 أكتوبر 2026 عن وزير الخارجية اليوناني بشأن وجود مباحثات جارية بين القاهرة وأثينا لتوسيع مناطقها الاقتصادية الخالصة شرقاً باتجاه قبرص، وجاءت هذه التحركات في أعقاب تصديق مجلس النواب الليبي في شرق البلاد على مذكرة التفاهم البحرية المثيرة للجدل الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية السابقة لعام 2019.
ولم يعد الأمر مجرد تداول لتقارير إخبارية، بل تحول إلى مادة تحليلية واستراتيجية متكاملة تفتح الباب أمام قراءة أبعاد إعادة تثبيت المراكز القانونية للدول، وحماية حقوق الطاقة، وانعكاسات ذلك على مسار العلاقات المصرية التركية والترتيبات الإقليمية في المتوسط.
خطوة استراتيجية لتثبيت الحقوق وحماية مصادر الطاقة دون صدام
وفي قراءة تحليلية دقيقة للأبعاد القانونية والاستراتيجية لهذا التحرك، قال رامي زهدي، خبير الشؤون الإفريقية والاستراتيجية، لـ “القصة”، إن التحرك المصري اليوناني لبحث توسيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية شرقاً باتجاه قبرص يمثل خطوة ذات دلالة استراتيجية مهمة، خاصة بعد تصديق البرلمان الليبي بشرق البلاد على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا لعام 2019.
وأوضح زهدي أن القضية لا تتعلق فقط بخطوط مرسومة على خريطة البحر المتوسط، وإنما بإعادة تثبيت المواقف القانونية للدول، وحماية حقوقها الاقتصادية، ومنع فرض ترتيبات بحرية أحادية تؤثر في مصالح أطراف أخرى.
من الناحية القانونية، أشار الخبير الاستراتيجي إلى ضرورة التمييز بين التصديق الداخلي على مذكرة تفاهم وبين مدى قابليتها للاحتجاج بها في مواجهة الدول الأخرى؛ فالاتفاقات الثنائية لا تستطيع بذاتها الانتقاص من الحقوق البحرية لدولة ثالثة، كما أن ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري يتطلب مراعاة قواعد القانون الدولي والظروف الجغرافية ذات الصلة والسعي إلى حل منصف. ومن ثم، فإن التصديق الليبي لا يغير تلقائياً المراكز القانونية لمصر أو اليونان، لكنه يضيف بُعداً سياسياً إلى نزاع قائم وقد يدفع الأطراف لتحركات دبلوماسية وقانونية أكثر نشاطاً.
أما من الناحية الاستراتيجية، فأكد رامي زهدي أن أهمية التحرك المصري تكمن في تعزيز الشراكة مع اليونان وقبرص، وحماية المصالح المصرية في شرق المتوسط بما في ذلك الحقوق المرتبطة بالموارد البحرية والطاقة، دون تحويل الخلاف إلى مواجهة مفتوحة، مبدياً رسالة واضحة مفادها أن القاهرة تفضل تثبيت حقوقها من خلال الاتفاقات القانونية والتنسيق الإقليمي لا عبر سياسة فرض الأمر الواقع.
وفيما يتعلق بتركيا وليبيا، لفت زهدي إلى أن هذه التطورات قد تزيد التباعد حول ترسيم الحدود لكنها لا تعني إغلاق الباب أمام التفاهم، فالعلاقات المصرية التركية تتضمن ملفات متعددة للمصالح المشتركة ويمكن احتواء الخلاف البحري عبر الحوار الفني والقانوني، بينما يظل تعدد مراكز السلطة في ليبيا عائقاً يجعل شرعية الاتفاقات الدولية موضع نقاش سياسي وقانوني. واختتم بالتأكيد على أننا أمام مرحلة جديدة لتثبيت المواقف وليست مقدمة لصدام عسكري.
العلاقات المصرية التركية محصنة
من جانبه، تناول فراس رضوان أوغلو، المحلل المختص بالشأن التركي، “القصة”، تداعيات هذه التطورات من زاوية مسار التقارب والتوازن القائم بين القاهرة وأنقرة؛ حيث أوضح أن تطوير الحسابات البحرية بين مصر واليونان هو شأن يخص مصر وحدها، مع الإشارة إلى أن المساحات البحرية المصرية في المتوسط تظل أكبر بكثير من المساحات اليونانية.
وأكد رضوان أوغلو أن التوازن الحالي في العلاقات التركية المصرية يظل قوياً ومحصناً؛ نظراً لوجود شراكات واحتياجات ملحة للتعاون بين الطرفين في ملفات متعددة ومهمة، مثل قضية غزة، والملف الإثيوبي، وباب المندب، وأمن السعودية، واتفاق مكة، والتعاون العسكري.
وأوضح المحلل التركي أنه لا يعتقد أن يؤثر التوسع المحتمل في الاتفاق بين مصر واليونان بشكل سلبي على الاتفاقية بين ليبيا وتركيا، مبدياً توقعاته بعدم حدوث أي سوء طالع أو تراجع في العلاقات المتنامية بين مصر وتركيا، رغم احتمالية حصول تداخل بسيط في المياه بين الأطراف.
ولفت إلى أن الخلاف الجوهري يبقى في النظرة القانونية اليونانية التي تعتبر الجزر كالجرف القاري وتمنحها مساحات شاسعة، وهو ما ترفضه تركيا وليبيا وعدد من القوى الكبرى كالصين وروسيا والولايات المتحدة، مؤكداً مجدداً توقعاته بأن العلاقات المصرية التركية لن تتأثر بهذا المسار.