لم تعد أزمة منظومة الأمم المتحدة مجرد عجز مؤسسي عابر أو أزمة قرارات تتكسر على صخرة الاستقطاب الدولي، بل تجاوزت ذلك لتصل إلى مرحلة الانهيار البنيوي التام وانتهاء الصلاحية التاريخية.
لقد أُنشئت هذه المنظومة، وفق ما أعلنه ميثاقها التأسيسي، على أنقاض الحرب العالمية الثانية؛ لكي تكون درعًا لحماية حقوق الأعضاء وصيانة السلم والأمن الدوليين، وصون كرامة وسيادة جميع الشعوب دون استثناء، غير أن التطورات المتلاحقة والممارسة الفعلية على أرض الواقع كشفت تدريجيًا عن الحقيقة المؤسسية الكامنة وراء الكواليس، وهي أن الهدف الحقيقي من التأسيس لم يكن سوى تكريس نظام عالمي تحكمه القوى الكبرى لضمان تقاسم النفوذ ومناطق الاهتمام الاستراتيجي بناءً على موازين القوى العسكرية والاقتصادية.
اليوم، لم تعد هذه الحقيقة التأسيسية القديمة ذاتها قائمة، فقد سقطت حتى صيغة تقاسم النفوذ المتوازن بين الكبار، لتنتهي الأمم المتحدة بالكامل إلى منظومة خاضعة تمامًا للانفراد المطلق للبيت الأبيض بالقرارات والتوجهات والسياسات المتحكمة في مفاصلها، وفي ظل هذا الاستحواذ لواشنطن، لم يتبقَ لبقية أصحاب حق الفيتو في مجلس الأمن إلا هامش ضيق لحماية مصالحهم الخاصة ومصالح حلفائهم ضد صدور قرارات أممية ضاغطة، عاجزين تمامًا عن منع واشنطن من فرض سياساتها الأحادية المعادية وتنفيذها على الأرض.
وبينما يهرع العالم بأسره نحو تشكيل نظام دولي جديد يقوم على التعددية القطبية، تصر الأمم المتحدة على البقاء كجسد محنط غير قادر على التعبير الحقيقي عن الواقع الميداني وتطلعات دول وشعوب العالم نحو الحرية والاستقلال الحقيقي.
الدورة الحادية والثمانون: التناقض بين الشعار والواقع
تتجسد هذه المأساة المؤسسية بأجلى صورها في قلب اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك، فعلى الرغم من رفع هذه الدورة شعارًا براقًا ومخادعًا: «استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة في خدمة الجميع»، إلا أن الأفعال والممارسات على أرض الواقع جاءت لتنسف هذا الشعار من أساسه، وتكشف زيف الادعاءات الأممية الساعية لترميم شرعية منهارة.
تطل علينا أروقة المنظمة الدولية اليوم لتشهد مفارقات تاريخية تعصف بأبسط القواعد والأخلاقيات التي نشأت عليها الأمم المتحدة، حيث تحتضن المنظمة رئيس سلطة الأمر الواقع في سوريا، أحمد الشرع، وحكومته التي كانت تتصدر قوائم الإرهاب الدولية، وترصد المكافآت المالية السخية لمن يدلي بمعلومات تفيد بالقبض عليهم. ها هو اليوم يقف في قاعات الأمم المتحدة جنبًا إلى جنب مع رؤساء وملوك وحكام العالم، رأسًا برأس، يلقي الكلمات ويلتقي الوفود الرسمية ويعقد الاتفاقيات الدولية.
إن هذا المشهد يمثل ضربة قاصمة للقيم والمثل والمعاهدات المؤسسية، فبدلًا من تطبيق العدالة الدولية ومحاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات، تمنح الأمم المتحدة شرعية مصطنعة تفتقر إلى أي سند شعبي أو قبول حقيقي وسط أبناء الشعب العربي السوري، متجاهلة تطلعاته ومعاناته المستمرة.
من حصانة الشرعية إلى شريعة الغاب
لم تتوقف مهازل الدورة الحادية والثمانين عند هذا الحد، بل تحولت منصة الأمم المتحدة إلى منبر للغطرسة والتهديد المباشر للمنظومة القانونية الدولية نفسها، ففي مشهد يعكس تآكل ما تبقى من هيبة المؤسسة الدولية، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من قلب الأمم المتحدة ليدعو صراحةً إلى الانسحاب الفوري من المحكمة الجنائية الدولية، مهددًا بفرض عقوبات قاسية عليها وعلى قضاتها، وبدلًا من أن تُبادر المنظمة إلى الدفاع عن استقلالية العدالة الدولية التي تفترض أن ترسي قواعد الإنصاف والمساءلة عالميًا، تقف صامتة عاجزة أمام رئيس القوة العظمى وهو يضرب المنظومة القضائية عرض الحائط ويهدد بإنهاء عملها ومحاكمتها.
ولم يتوقف الأمر عند حدود المحكمة الجنائية، بل امتد ليتناول التهديد للدول والشعوب، حيث شن ترامب هجومًا حادًا، متوعدًا كوبا بسقوطها، وهنا، بدلًا من محاكمة السياسات الأمريكية العدوانية وما خلفته من دمار في فنزويلا وغيرها، يأتي التهديد بإسقاط دولة ذات سيادة جهارًا نهارًا، والأمر ذاته يتكرر في الملف الإيراني، حيث توعدت واشنطن بمحو طهران من على الخريطة إن لم ترضخ لتوقيع اتفاق يخدم الأجندة والمصالح الأمريكية حصرًا.
تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية منبر الأمم المتحدة وأمام مرأى ومسمع العالم بأسره لفرض السطوة والهيمنة الشاملة، بلطجة سياسية ودبلوماسية من داخل الحصن الذي أُسس أصلًا لحماية الجميع وضمان سيادة الدول. لقد تحولت الأمم المتحدة إلى أداة طيعة في القبضة الأمريكية لتمرير سياسات الهيمنة، ومظلة زائفة للتدخلات والعدوان ضد الشعوب الرافضة للتبعية.
إسقاط المنظومة المتهالكة وبناء عالم العدالة
إن قراءة متأنية للوضع الدولي الراهن وما آلت إليه الأمم المتحدة من سقوط أخلاقي ومؤسسي، تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن استمرار هذه المنظمة بصيغتها الحالية لم يعد مجرد عبث، بل صار خطرًا جسيمًا وعائقًا حقيقيًا أمام مستقبل حر وعادل لشعوب العالم.
مع إصرار شعوب الأرض على الانعتاق والتوجه نحو أفق التعددية القطبية، أصبح لزامًا تاريخيًا إنهاء هذه الحقبة السوداء من عمر الدبلوماسية الدولية وتفكيك هذه المنظومة التي تحولت إلى عبء ثقيل على حرية الإنسان وكرامته. إن المطلوب اليوم ليس مجرد إصلاحات شكلية مستهلكة، بل تدشين مرحلة جديدة وجريئة ترفض هيمنة أي طرف أو مجموعة أطراف، وترتكز على إرساء قواعد حقيقية لبناء عالم يسوده العدل للجميع بلا وصاية، وبلا هيمنة، وبلا معايير مزدوجة تعبث بمقدرات الأمم.