أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

شهادات من عتمة الزنازين السورية.. كيف يلاحق جحيم الاعتقال ضحاياه في الشتات؟

لم يكن الخروج من السجون السورية مجرد نجاة من زنازين مغلقة أو معتقلات قاسية، بل كان عبورًا من جحيم إنساني يصعب على العقل تصديقه، فخلف الأبواب الحديدية الثقيلة، لم يكن التعذيب وسيلة للعقاب أو التحقيق، بل آلة ممنهجة لسحق الإنسان جسدًا وروحًا، وتحويله إلى كائن محطم فاقد للأمان والكرامة.

هناك، حيث الموت روتين يومي معتاد، لم يسع السجان معاقبة الجسد بالضرب والصعق والتجويع فحسب، بل ابتكر أساليب لـ “التعذيب بالوكالة” لضرب النواة الصلبة للمجتمع، والتي تتمثل في العائلة وشرفها، والنتيجة، اختصرتها ناجية سورية حين قالت: ” لا فرق بين جسد رجل وجسد امرأة أمام السجان”.

من العمل الإنساني إلى معتقلات سجون النظام

تتحدث “أم محمد”، وهي سيدة تنحدر من الغوطة الشرقية، لـ “القصة” عن تفاصيل اعتقالها وما تعرضت له من تعذيب وإهانات وانتهاكات جسدية ونفسية، مؤكدة أن سنوات الاعتقال لم تترك جرحًا في الجسد فقط، بل دمرت عائلات بأكملها.

أخبار ذات صلة

الحرب على إيران
أستاذ علوم سياسية لـ "القصة": الحرب على إيران انتهت بحصاد عكسي لواشنطن وتل أبيب
سجناء الرأي - أرشيفية
مصر تطلب الإفراج عن أبنائها سجناء الرأي
الذكاء الاصطناعي
بعد تسريحات "ميتا".. هل أصبح الـAI بديلًا للعقل البشري؟

بدأت حكاية أم محمد مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حيث انخرطت في العمل الإنساني والطبّي، مساهمة في إدخال المواد الطبية وإسعاف الجرحى إلى جانب الفصائل المعارضة، ما جعلها هدفًا مباشرًا لـ “فرع المهام الخاصة” الذي اعتقلها في ثالث أيام عيد الفطر عام 2013.

تسترجع أم محمد الأيام الأولى لاعتقالها، فتقول: “بقيت 3 أيام كاملة دون تحقيق، قبل أن تبدأ جلسات التعذيب والاستجواب، وحاول المحققين إجباري على الاعتراف على والدي وإخوتي وأصدقائي، وتعرضت للضرب المبرح بشكل متكرر، قبل أن يقوم أحد الضباط بقص شعري والتحرش بي، ثم تعذيبي بالكهرباء وتعليقي لساعات طويلة فيما يعرف بـ”الشبح”، واستمر التحقيق والتعذيب لأكثر من 40 يومًا متواصلة”.

بعد 11 شهرًا من الاعتقال، خرجت أم محمد ضمن صفقة تبادل أسرى، لكنها لم تنعم بالحرية طويلًا، إذ تزوجت بعد أيام قليلة، ثم حملت بطفلها الأول، قبل أن تُعتقل مجددًا وهي حامل في شهرها الخامس، وخلال الاعتقال الثاني، قُتل زوجها بعد أسبوع واحد فقط من احتجازه، فيما وضعت طفلها داخل السجن، لتعيش معه أربع سنوات ونصف خلف القضبان، أصيبت بمرض السل داخل المعتقل، قبل أن يتم انتزاع طفلها منها، ووصفت تلك اللحظة بأنها “أقسى ما مرت به في حياتها”.

استدعى المحققون والدها وأحضروه إلى الغرفة شبه عارٍ، وعمدوا إلى ضربها والتحرش بها جسديًا ولفظيًا أمامه وهو عاجز ومقيد، وتصف أم محمد الأثر النفسي المدمر لتلك اللحظة قائلة: “انهرتُ تمامًا وفقدت الوعي بعدما شاهدت والدي في تلك الحالة، فكان الهدف قتل والدي نفسياً قبل إعدامه ميدانيًا لاحقًا”.

لاحقاً، نُفّذ حكم الإعدام الميداني بحق والدها بتهمة دعمها ماديًا أثناء وجودها خارج السجن، وقبل إعدامه بأيام قليلة، أصيب بالغرغرينا نتيجة بقائه لفترات طويلة في زنازين مغمورة بالمياه حتى الصدور، وهو ما اضطر المعتقلين للتناوب على النوم فوق إطارات السيارات (الدواليب).

 أدى ذلك إلى بتر ساقه وتدهور حالته الجسدية بالكامل، من تساقط للشعر والأسنان، ليتوفى لاحقًا برصاصة مباشرة أطلقها عليه السجانون قبل أيام قليلة من “تحرير” المعتقل

لم تكن فاجعة أم محمد بوالدها وحسب، بل كشفت أن شقيقها توفى تحت التعذيب بعد ساعات قليلة من اعتقاله، بينما اعتُقلت شقيقتاها الأخريان لسنوات طويلة.

مشاهد الموت تتحول إلى أمر يومي

تتذكر أم محمد كيف تحول الموت والتعذيب داخل المعتقلات السورية إلى تفصيل روتيني مفرغ من أي مشاعر إنسانية بالنسبة للسجانين، فتقول: “كنت أرى جثث المعتقلين تُترك لأيام داخل الممرات، بينما يُمنع السجناء حتى من السؤال عنهم، بعض السجانين كانوا يتعاملون مع وفاة المعتقلين ببرود تام، لدرجة أن أحدهم رد على سؤالي عن شاب مريض بقوله: “راح عند الحوريات”.

لا فرق بين رجل وامرأة 

“النساء كنّ يتعرضن لنفس الأساليب الوحشية وبذات السادية، لا فرق بين جسد رجل وجسد امرأة أمام السجان”، هكذا نفت “أم محمد” الروايات التي تحدثت عن اختلاف أساليب التعذيب بين الرجال والنساء.

لم تنته المأساة بفتح أبواب السجن، بل امتدت شظاياها لتلاحق من تبقّى من عائلتها في الخارج: فالشقيقة الأولى: اعتُقلت بعد أسبوع واحد فقط من وضعا مولودها، والشقيقة الثانية: اضطرت لتسليم نفسها للفروع الأمنية خوفًا من تعرضها للانتهاك أو الاختفاء القسري، وفي خضم ذلك، هرب زوجها بأبنائها بعيدًا خوفًا من الملاحقة، لتفقد شقيقتها أطفالها إلى الأبد.

تختتم أم محمد شهادتها بتوجيه نداء صارم إلى المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية، والمحاكم الدولية، مطالبةً بكسر حاجز الصمت تجاه هذه الجرائم والمجازر الممنهجة التي طالت آلاف السوريين.

وتؤكد أن الضحايا والناجين لا يطلبون شفقة أو تعاطفًا، بل يطالبون بـ العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن القتل، والتعذيب، والانتهاك الجنسي، وتدمير حياة المدنيين، لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، لأن ما حدث لم يكن مجرد حرب عابرة، بل كان محاولة ممنهجة لإبادة الإنسان السوري وعائلته وتفاصيل حياته بالكامل.

من رغد العيش في الغربة إلى “مسلخ صيدنايا”

وفي جانب آخر، لم تكن “رائده” السيدة السورية تعلم أن رحلتها القصيرة من المملكة العربية السعودية إلى مسقط رأسها في سوريا عام 2016، ستكون تذكرة اتجاه واحد نحو جحيم لم تتخيل وجوده يوم.

كانت حياتها مستقرة، تعمل في مجال تصوير الحفلات، وزوجها يوفر للأبناء حياة آمنة، حتى جاء القرار الحكومي السوري بفرض بطاقات وهويات شخصية جديدة، لتبدأ من هنا خطوتهم الأولى نحو الفخ.

رغم تحذيرات والدتها من خطورة الأوضاع الأمنية، حزمت العائلة أمتعتها على أمل إنهاء المعاملات الرسمية سريعًا والعودة إلى رغد العيش في الغربة، إلا أن القدر كان يخبئ لهم فصولًا من مأساة اقتلعت عائلتها من جذورها.

تقول رائده في حديثها لـ “القصة” إنها بعد أيام قليلة من وصولها إلى سوريا تعرضت مع والدتها للقصف أثناء خروجهما من المنزل، ما أدى إلى إصابتها في البطن وهي حامل في شهرها السادس، وفقدان جنينها، بينما استشهدت والدتها أمام عينيها.

وتضيف أنها خضعت لعملية جراحية، بينما كانت الأوضاع الأمنية تتدهور بصورة مرعبة، في وقت كانت مناطق كاملة تعيش تحت القصف والعنف والانتهاكات المستمرة.

بعد فترة قصيرة من إصابتها، اختفى زوجها بشكل مفاجئ أثناء خروجه من المنزل، ولم يعد مرة أخرى، ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلة طويلة للبحث عنه داخل الأفرع الأمنية والسجون، كما أنها بقيت وحيدة مع أطفالها، دون أي مساندة حقيقية، حتى بعض أقارب الزوج تخلوا عنها خوفًا من الملاحقة الأمنية.

وتقول: ” الجميع طالبني بالهروب والنجاة بأطفالي، لكني رفضت المغادرة قبل معرفة مصير زوجي، خاصة في ظل الفوضى التي كانت تعيشها البلاد آنذاك”، ومع تدهور أوضاعها المعيشية، اضطرت للعمل مجددًا في التصوير، قبل أن تنضم للعمل التطوعي مع الهلال الأحمر لتأمين احتياجات أطفالها، وفي الوقت نفسه محاولة الوصول إلى أي معلومة عن زوجها المختفي.

وتضيف: “وخلال تلك الفترة، تمكنت عبر علاقات العمل من الوصول إلى شخص نافذ وعدها بالمساعدة في معرفة مكان زوجي، لتبدأ بعدها رحلة التنقل بين الأفرع الأمنية.

تحكي رائده تفاصيل دخولها إلى أحد الأفرع الأمنية، قائلة إنها اقتيدت معصوبة العينين ومقيدة اليدين، رغم أنها دخلت بوساطة من شخصية مدعومة، وتقول: “تعرضت للضرب والإهانة بعد رفضي اتهام زوجي بالإرهاب، فأنا وزوجي لم نكن منخرطين في أي نشاط سياسي أو عسكري، وعودتنا إلى سوريا كانت فقط من أجل استخراج الأوراق الرسمية”.

وتضيف: “تعرضت للاستدعاء المتكرر لعدة أشهر، قبل أن أحصل أخيرًا على معلومة تفيد بأن زوجي محتجز داخل سجن صيدنايا، وبعد محاولات طويلة، تمكنت أخيرًا من رؤيته، لكن الصدمة كانت قاسية، فملامحه تغيرت بالكامل، وبدا منهارًا نفسيًا وجسديًا نتيجة التعذيب الذي تعرض له داخل السجن”، مؤكدة أنها فقدت الوعي فور رؤيته.

وتؤكد أنه بعد خروجه أصبح يعيش حالة نفسية شديدة التعقيد، حيث كان يرتجف بمجرد سماع أصوات الصراخ أو التعذيب القادمة من الكتيبة العسكرية الموجودة أسفل منزلهم، وكان ينعزل لساعات طويلة ويعاني من نوبات خوف وهلع مستمرة.

ومع استمرار التهديدات الأمنية، قررت الأسرة الهروب إلى مصر فجرًا، في رحلة تصفها بأنها كانت أقرب إلى المعجزة، واختتمت رائدة حديثها بالتأكيد على أن الحرب لم تنتهِ بالنسبة لهم بخروجهم من سوريا، بل ما زالت آثارها تطاردهم يوميًا في حياتهم النفسية والمعيشية.

شهادات خارج الزنازين

إذا كانت غرف التحقيق والزنازين المظلمة قد حُفرت ندوبها في أجساد المسجونين، فإن هناك أشخاص آخرين لم يدخلوها ولكن يعلمون جيدًا ما يحدث فيها، فهنا يتحدث نضال شيخ عمر الناشط وأحد أبناء الثورة السورية لـ “القصة”.

لم يدخل نضال الزنازين بجسده، لكنه عاش الحرب بكل تفاصيلها الدامية، أصيب بالرصاص الحي أكثر من مرة، وخسر عائلته وحياته الطبيعية، لكنه اختار ألا تقف المأساة عنده، فجعل من نفسه صوتاً للضحايا والناجيات، حاملاً ذاكرتهن الدامية إلى العالم من منفاه الحالي في ألمانيا.

يقول نضال إن بدايات الثورة كانت مجرد مطالب بسيطة بالحرية ووقف القمع، لكن الرد جاء بالرصاص والاعتقالات والقتل، قبل أن تتحول سوريا تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة للرعب والانتهاكات، ويؤكد أن أخبار السجون كانت تصل إليهم تباعًا من المعتقلين الذين يخرجون أحياء، حاملين شهادات تفوق قدرة البشر على التصديق.

في واحدة من أكثر الشهادات اختصارًا لحجم المأساة التي عاشها المساجين في سجون النظام السوري، ينقل نضال رسالة من امرأة ناجية فور خروجها من عتمة الزنازين، وهي: “إن النساء داخل السجون لا يحتجن إلى الطعام أو الشراب بقدر حاجتهن إلى “حبوب منع الحمل”.

ويوضح أن بعض الضباط كانوا يستدعون الفتيات إلى مكاتبهم داخل السجون لاغتصابهن، بينما كانت عمليات التعذيب والإذلال تتم بصورة ممنهجة ومنظمة داخل المعتقلات، وسط صمت وخوف يحيط بكل شيء.

ويكشف نضال عن شهادات أخرى مروعة لفتيات تعرضن للاغتصاب أمام آبائهن أو إخوتهم بهدف إذلال العائلة وكسرها نفسيًا، بينما تعرضت نساء أخريات للانتهاك أمام أزواجهن في مشاهد بقيت محفورة في ذاكرة من عاشوها أو سمعوا عنها.

ويؤكد أن الهدف لم يكن مجرد تعذيب أفراد، بل تحطيم المجتمع السوري بالكامل عبر نشر الرعب والإهانة وكسر الكرامة الإنسانية، مشيرًا إلى أن كثيرًا من العائلات دُمّرت نفسيًا واجتماعيًا بسبب هذه الانتهاكات.

ويتحدث نضال عن نساء خرجن من المعتقلات وهن يحملن أطفالًا لا يعرفن من هم آباؤهم، بعدما تعرضن للاغتصاب المتكرر داخل السجون، فيقول: “بعض هؤلاء النساء كنّ يحتضن أطفالهن بحب الأم وخوفها، وفي الوقت نفسه يعشن مأساة نفسية واجتماعية هائلة، لأن الطفل وُلد من جريمة، ولأن المجتمع قد يرفضه أو يرفض أمه”.

ويقول بأسى: “ما ذنب هذا الطفل؟ وما مصيره حين يكبر دون أن يعرف من هو والده؟ وهل تقبل به العائلة والمجتمع؟، مؤكداً أن هذه الأسئلة كانت تمزق النساء الناجيات نفسيًا كل يوم.

محاولات لإنقاذ النساء

ورغم كل ما عاشه، يؤكد نضال أنه حاول مساعدة عدد من النساء الناجيات عبر تهريبهن إلى تركيا وتأمين حياة آمنة لهن بعيدًا عن الخوف والوصمة المجتمعية، حتى إنه يقول إنه عرض التبرع بكليته مقابل إنقاذ بعض المعتقلات وإخراجهن من مناطق الخطر، لكنه يعترف أن كثيرات اختفين لاحقًا، ولا يعرف حتى اليوم ما إذا كن قد نجون أم لا، وهو ما يضاعف شعوره بالعجز والحزن حتى اليوم.

يعيش نضال اليوم في ألمانيا بعيدًا عن سوريا منذ سنوات، بعدما خسر عائلته وحياته الطبيعية بسبب مواقفه ومساعدته للضحايا، لكنه يؤكد أنه لا يشعر بالندم، بل يعتبر ما فعله واجبًا إنسانيًا ودينيًا.

ويقول إن ما يفعله اليوم هو محاولة لإيصال الحقيقة للعالم، حتى لا تتحول معاناة السوريين إلى مجرد أرقام أو أخبار عابرة، مؤكداً أن الحديث عن السجون السورية ليس حديثًا عن الماضي، بل عن جرح مفتوح ما زال ينزف في ذاكرة السوريين حتى الآن.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

محمد المنشاوي
خطة "أوديد إينون" المسمومة
IMG_3570
انتقادات "أهلاوية" لغلاف مجلة النادي الرسمية.. ساذج وطفولي
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
طروحات جديدة وضحايا قدامى.. أين تذهب شقق الإسكان الاجتماعي؟
السجون السورية
شهادات من عتمة الزنازين السورية.. كيف يلاحق جحيم الاعتقال ضحاياه في الشتات؟

أقرأ أيضًا

images (36)
هل انتهى زمن الحلفاء؟.. تايوان تختبر سياسة ترامب الجديدة
IMG_3567
أحمد سراج يطرح السؤال: دار الكتب.. قيود فاشية وفضائح مستمرة أم قوة ناعمة وتطورات واجبة؟
images (34)
السعودية وقطر للتهدئة والإمارات للردع.. موقف الخليج من حرب إيران
IMG_20260521_131926
تمرد جمهوري صامت.. هل بدأت معركة كبح ترامب من داخل حزبه؟