سكنٌ ومودةٌ ورحمة، ذلك هو الزواج الذي شرعته السماء، وذكره الله بالميثاق الغليظ، وحتى في حالة الخلاف شرع الهجر الجميل.
أما “المقتلة” التي يشرّع لها النواب في مجلسهم، ومن خلال قانون الأحوال ـ أو الأهوال ـ الشخصية، فلا علاقة لها بالمودة ولا الرحمة، بل هي تشريع لتنظيم علاقة بين عدوين دائمين، لا يفكر كلٌّ منهما إلا في التخلص من الآخر بأكبر قدر من المكاسب، وأقل قدر من الخسائر التي يمكن تعويضها.
لقد تحوّل قانون الأسرة من كونه محاولة لتنظيم العلاقات الأسرية وحماية البيت، إلى ساحة صراع مفتوح، وفاجعة منتظرة، ونهاية محتومة، إما بالخلع أو بالطلاق، وسط حالة من التخبط التشريعي والاجتماعي التي جعلت كثيرين ينظرون إلى الزواج باعتباره مشروع أزمة مؤجلة، لا علاقة قائمة على السكن والمودة والرحمة كما أرادها الشرع.
وبين نصوص قانونية متغيرة، ومقترحات متلاحقة، وثغرات تُستغل أحيانًا بشكل سيئ، باتت الأسرة المصرية تعيش حالة من القلق المستمر، وأصبح كل طرف يدخل العلاقة وهو يضع يده على قلبه، مترقبًا لحظة الخلاف وما قد يتبعها من قضايا ومحاضر وصراعات لا تنتهي.
ولا تتعلق أزمة قانون الأسرة فقط ببعض المواد المختلف عليها، بل تعكس خللًا أعمق في طريقة إدارة الملف بالكامل.
فبدلًا من أن يكون الهدف الأساسي هو الحفاظ على استقرار الأسرة ومصلحة الطفل، تحوّل الأمر في كثير من الحالات إلى معارك قانونية طويلة، يُستخدم فيها الأبناء كورقة ضغط أو وسيلة مساومة بين الطرفين.
ولم تعد قضية الحضانة تُناقش دائمًا من زاوية مصلحة الطفل النفسية والتربوية، بل أصبحت أحيانًا جزءًا من صراع النفوذ والانتقام.
والأزمة الأخطر أن المشكلة لم تعد في نصوص القانون وحدها، وإنما في المنظومة التي تطبق هذه النصوص، حيث الشكاوى المتكررة من بطء التقاضي، وتضارب الأحكام، ووجود فساد أو مجاملات أو استغلال لبعض الثغرات القانونية من جانب أطراف مختلفة.
وصار هناك اعتقاد بأن من يمتلك المال أو النفوذ أو القدرة على الإنفاق على القضايا والمحامين يملك فرصة أكبر في توجيه دفة النزاع لصالحه، سواء كان رجلًا أو امرأة. وفي النهاية، يبقى الضحية الحقيقية هم الأطفال الذين يخرجون من هذه المعارك محملين بعُقد نفسية وتشوهات اجتماعية قد تلازمهم لسنوات طويلة.
وملف النفقات بدوره أصبح نموذجًا واضحًا على هذا الاضطراب، فهناك رجال يرون أنهم يتحملون أعباء تفوق طاقتهم في ظل تقديرات لا تراعي ظروفهم الاقتصادية الحقيقية، وفي المقابل توجد نساء يعانين لسنوات داخل المحاكم للحصول على حقوق أساسية تكفل لهن ولأبنائهن حياة كريمة.
وبين هذا وذاك، تضيع العدالة وسط الروتين والفساد والتقديرات المزاجية التي قد تحدد مصير أسرة كاملة خلال دقائق معدودة.
أما الطرح المتعلق بتقسيم ثروة الزوج أو منح الزوجة نسبة من ممتلكاته بعد الطلاق، فقد أثار حالة واسعة من الغضب والرفض داخل قطاعات كبيرة من المجتمع، باعتباره يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية وطبيعة الواقع الاقتصادي المصري.
ومن الطبيعي أن تؤدي هذه الأجواء إلى زيادة حالة الخوف من الزواج بين الشباب، خاصة مع تصاعد معدلات الطلاق واتساع دائرة النزاعات الأسرية؛ فالشاب الذي يرى يوميًا قصصًا عن قضايا نفقة وتمكين وخلع ورؤية وصراعات لا تنتهي، سيصبح أكثر ترددًا في اتخاذ قرار الزواج، بل وقد يدخل العلاقة نفسها بعقلية دفاعية قائمة على الحذر والترقب، لا على الثقة والمودة.
ورغم الحديث المتكرر عن تعديلات جديدة تحقق “التوازن” بين الطرفين، فإن كثيرًا من الانتقادات تؤكد أن جوهر الأزمة سيظل قائمًا ما دامت الثغرات الأساسية لم تُعالج بصورة حقيقية. فملفات مثل التمكين، والخلع، والرؤية، والحضانة، ما زالت تشهد اتهامات متبادلة بإساءة الاستخدام وتحويلها أحيانًا إلى أدوات للضغط والانتقام، بدلًا من كونها وسائل لتحقيق العدالة وحماية الأسرة.
والحل الحقيقي، كما يرى كثيرون، لا يكمن فقط في إصدار مواد جديدة أو تعديل بعض البنود، بل في إصلاح المنظومة بالكامل.
فالمطلوب قضاء أسري أكثر تخصصًا وعدالة، يمنح الوقت الكافي لفهم طبيعة النزاعات بدلًا من الاعتماد على أوراق ومحاضر مختصرة قد لا تعكس الحقيقة كاملة.
ويبقى السؤال الأهم: هل الهدف من قانون الأسرة هو تحقيق العدالة والحفاظ على تماسك المجتمع، أم إدارة الصراع بين الأزواج بعد انهيار العلاقة؟
فاستمرار الوضع الحالي لا يهدد فقط استقرار البيوت، بل يهدد أيضًا فكرة الأسرة نفسها في وعي الأجيال الجديدة، ويخلق حالة متزايدة من النفور من الزواج والاستقرار.
لذلك، فإن أي قانون جديد لن ينجح ما لم يقم على التوازن الحقيقي، واحترام الشريعة، وإصلاح الإجراءات، وتقديم الصلح والحلول الإنسانية على منطق العقاب والانتقام، وإلا ستظل الأزمة تدور في حلقة مفرغة يدفع ثمنها المجتمع كله.
لا تبحثوا عن عقوبات تجعل من الحياة الزوجية، كما شرعتها السماء، مستحيلة، بل ابحثوا في الأسباب التي أدت إلى تفكك الأسرة والمجتمع وعالجوها، بدلًا من الانسياق خلف نعرات نسوية تجعل من العلاقة الأسرية “ناقرًا ونقيرًا”، ولا تستمعوا لدعوات متشددة تجعل أحد أطراف هذه العلاقة أسيرًا لدى الآخر.
حزن الختام:-
مبتداويش جريحك
وتغربيه في ريحك
وبتصلبي في مسيحك
وتعذبي النبي
بتشوهي في مليحك
وتنيميه طريحك
وتكملي في مديحك
وتقربي الغبي