لم يكن ماراثون الاتصالات الهاتفية الأخير الذي أجراه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قادة السعودية وقطر والإمارات والبحرين مجرد تشاور دبلوماسي روتيني بل هو في الحقيقة محاولة أمريكية لذر الرماد في العيون بعد أن استقرت في الأفق حقيقة استراتيجية جديدة، لاسيما وأن هذه التحركات جاءت مدفوعة بمتغيرين شديدي الخطورة يتمثلان في فيتو خليجي صارم يرفض جر المنطقة إلى مواجهة مفتوحة وصمود إيراني نجح في إفشال مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي كان يستهدف إسقاط النظام في طهران واستبداله بنظام تابع، ليضع هذا التبدل المفاجئ السياسة الأمريكية أمام لحظة مكاشفة عارية عجزت فيها قواعدها العسكرية عن تأمين توازنات المنطقة الحيوية.
الرفض الخليجي يقلب طاولة التصعيد الأمريكي
وفي هذا السياق يرى المحلل السياسي حامد جبر في حديثه الخاص لمنصة القصة أن الرفض القاطع من جانب الرياض والدوحة لتصعيد الموقف الأمريكي الإسرائيلي مع إيران يمثل حجر الزاوية في التغير الجذري الذي طرأ على التوجهات الأمريكية الحالية، موضحًا أن دول الخليج أدركت بشكل جلي أن القواعد الأمريكية المتمركزة فوق أراضيها لم تكن منذ نشأتها مصممة للدفاع عنها بل وجدت حصريًّا لحماية الاستراتيجية العسكرية الأمريكية وتأمين مصالح تل أبيب، مشيرًا إلى أن هذا الانكشاف تجلى بوضوح في عدم قدرة تلك القواعد على حماية الدول المستضيفة لها بل وتحولها إلى منصات للاعتداء على الجار الإيراني والسماح باستخدامها مما دفع العواصم الخليجية لفرملة أي مقامرة غير مأمونة العواقب.
صراع النفوذ الملاحي ومستقبل الالتزامات الأمريكية
ويكشف جبر عن زاوية أكثر عمقًا وحساسية في كواليس المشهد الإقليمي معتبرًا أن الموقف القطري السعودي الصارم في هذا التوقيت يحمل في طياته محاولة واضحة لتحجيم بعض الأدوار الإقليمية وتحديدًا فيما يتعلق بالتحركات المثيرة للجدل في الساحة السودانية ودول القرن الإفريقي لتوسيع النفوذ الملاحي والأمني في تلك المناطق الحيوية، مختتمًا قراءته بمقاربة تحليلية حول مستقبل الالتزامات الأمريكية جازمًا بأن أي اتفاق تتعهد به الولايات المتحدة مع أي طرف آخر لا يمكن الوثوق به مطلقًا حتى لو حظي بقبول من دول الإقليم أو المنظمات الدولية لكون هذا الانسداد مرهونًا ببقاء وهيمنة السياسة الأمريكية التقليدية تجاه المنطقة والتي تضحي بحلفائها الإقليميين في أول منعطف لخدمة مصالح تل أبيب.