بينما تتم عمليات الدفع الإلكتروني في أجزاء من الثانية، تواجهنا عمليات استرداد الأموال ببطء ملحوظ يثير التساؤلات.
فهذا التناقض لا يعد مجرد صدفة تقنية، بل يعود إلى فروق جوهرية في تصميم البنى التحتية المالية.
من الناحية التقنية، تفتقر المنظومة الحالية إلى دفاتر أستاذ لحظية موحدة، مما يجعل الاسترداد عملية معقدة تمر بمسارات بنكية طويلة ومعزولة.
ومن خلال هذا التقرير، نوضح الأسباب التقنية والقانونية وراء تأخر استعادة الأموال وكافة العمليات وحق المواطن فيها.
لماذا تستغرق عملية استرداد الأموال وقتا أطول من دفعها؟
وفي هذا السياق، قال الدكتور أسامة مصطفى، خبير أمن المعلومات، إن الفرق بين سرعة التحصيل وبطء الاسترداد ليس مجرد خلل تقني عابر، بل هو نتاج فلسفة تصميم مختلفة جذريا، حيث يصمم نظام الدفع ليكون سريعا ومناسبا لتجربة المستخدم، بينما يصمم نظام الاسترداد ليكون عالي الأمان ومنضبطا بدقة.
أولوية المعالجة والفرق التقني
ويوضح «مصطفى» في تصريحات خاصة لـ«القصة» أن طبيعة معاملات الخصم تعتمد على المعالجة «المتفائلة وغير المتزامنة»، حيث تتحرك الأموال أولا ويتم التحقق منها لاحقا.
وأضاف أن طبيعة عمليات الاسترداد لا تعد مجرد «تراجع» عن المعاملة السابقة، بل هي عملية مالية جديدة تماما، إذ تتطلب موافقة معقدة من الأنظمة المصرفية، وبوابات الدفع، والتاجر، وتمر بفحوصات صارمة للمخاطر والاحتيال، قاطعة مسارا عكسيا طويلا يبدأ من (التاجر ← المعالج ← شبكة البطاقة ← البنك).
التعقيد البرمجي أم «الأعطال المصطنعة»؟
ويؤكد «خبير أمن المعلومات» أن التأخير في عمليات الاسترداد هو تأخير هيكلي وليس تقنيا بحتا، فهو ناتج عن التنسيق بين أطراف متعددة ذات أنظمة منعزلة تعالج البيانات على دفعات (Batches).
وعلى الرغم من أن هذا البطء قد يسهم أحيانا في تقليل معدلات الطلب العشوائي، إلا أنه ليس «عطلا مصطنعا» مقصودا، بقدر ما هو أثر جانبي لتعقيد النظام المالي، إلى جانب استفادة بعض الشركات أحيانا من «فائدة التعويم» الناتجة عن الاحتفاظ المؤقت بالأموال.
غياب آليات التغذية الراجعة والحلول الممكنة
واختتم «مصطفى» قائلا إن الأنظمة المالية الحالية تفتقر إلى دفتر أستاذ لحظي (Real-time Ledger) مشترك وموحد بين جميع الأطراف المعنية، وهو ما يحول دون إعادة الحقوق للمستهلك بنفس سرعة خصمها، وعليه فإن بناء نظام موحد يضمن الاتساق المالي الفوري يظل هو التحدي التقني والأمني الأكبر أمام قطاع المدفوعات الرقمية.
الشروط المعفاة من المسؤولية في الخدمات الإلكترونية.. رؤية قانونية
ومن جانبه، قال الأستاذ أحمد القناوي، الخبير القانوني، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، إن الطبيعة القانونية لاتفاقيات الاستخدام الإلكترونية تتضمن معظم اتفاقيات الاستخدام الخاصة بالخدمات الإلكترونية شروطا تهدف إلى إعفاء المزود من المسؤولية، ورغم انتشار هذه الشروط وقبول المستخدمين لها إلكترونيا، إلا أن صحتها القانونية ليست مطلقة، بل تخضع بالدرجة الأولى لتقدير القضاء وموقف المحاكم عند النزاع.
عقود الإذعان وبطلان الشروط التعسفية
وأوضح الخبير القانوني، أن هذه الاتفاقيات غالبا ما تندرج تحت مسمى «عقود الإذعان»، وتتسم هذه العقود بأن أحد الطرفين يكون في موقف ضعيف، ومجبرا على قبول الشروط كاملة دون مفاوضة أو مناقشة، ليتمكن من الحصول على الخدمة الضرورية.
دور القاضي في حماية المستخدمين
واختتم «القناوي» حديثه قائلا إن القاضي يمتلك السلطة التقديرية للحكم ببطلان هذه الشروط وإلغائها، نظرا لأن المستهلك يكون مجبرا أو مضطرا لقبول الاتفاقية للحصول على الخدمة الإلكترونية، مما يجعل هذه البنود تعسفية، ولا تولد التزاما صحيحا بحسب التفسير القضائي لمفهوم عقود الإذعان.