أخبار هامة

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

الحكاية من أولها

رئيس التحرير

عمرو بدر

الحكاية من أولها

رئيس مجلس الإدارة

محمود فؤاد

مدير التحرير

نور الدين نادر

رئيس التحرير

عمرو بدر

محمد نور يكتب: ما بين أمي والقرية.. ذكريات لا تنتهي

محمد نور

لم أكن أتصور يومًا أنني سأكتب عن وفاة أمي الحبيبة الغالية على قلبي، فكيف يكتب الإنسان عن قطعة من روحه ونور بصره؟ لم تكن لحظة فراق أمي، رحمها الله، سهلة بالنسبة لي، بل كانت لحظات صعبة وقاسية، أدركت خلالها معنى وقيمة ومكانة الأم.

كانت السند والضوء الذي ينير طريقي ودربي، فإذا مرضت ترعاني ولا تنام حتى أنام. أتذكر أنها كانت تأتي إلى غرفتي ليلًا بين الفينة والأخرى لتطمئن عليّ، وكنت حينها أتظاهر بالنوم كي يرتاح قلبها وتطمئن. كانت تعلم ما الذي أحبه وما الذي أكره، وتحس بي عندما أكون حزينًا دون أن أتكلم، فتحاول التخفيف عني بكلماتها الحنونة التي تشفي الصدور.

ارتبطت بأمي، رحمها الله، منذ طفولتي، وبعدما بلغت من العمر «خمسين» عامًا، كنت أشعر دائمًا أنني لا زلت طفلًا صغيرًا لا يريد أن يكبر، ربما لأن كلامها وتعاملها معي كان كتعامل الأم مع طفل ذي خمس أو عشر سنوات. هذا ما كان يجعلني دائمًا أشعر بالأمان والراحة.

أخبار ذات صلة

مشغولات ذهبية
تعرف على أسعار الذهب اليوم 
حالة الطقس
انخفاض طفيف بدرجات الحرارة.. والعظمى في القاهرة تصل 36
images (1)
من صاروخ في البحر لـ فاتورة منزلية.. كيف تصل الحروب الإقليمية إلى جيوب المصريين؟

كانت تتصل بي يوميًا ما بين ثلاث أو خمس مرات، في الصباح وقبل غروب الشمس، للاطمئنان عليّ والاستفسار عن سلامتي وعن أحوالي. فإذا شعرت بنبرة صوتي متغيرة، تحزن وتغضب وتسألني: «ماذا حدث؟ مين زعلك؟ زعلان من إيه؟». أحكي لها سبب زعلي، حتى أجدها تهوّن عليّ بكلامها الجميل.

كانت تنتظر بشغف وتشوق اليوم الذي أعود فيه من القاهرة إلى القرية، لكي تأخذني في حضنها، وإذا سافرت فكانت أول من يسأل عني حتى تطمئن أنني وصلت بسلامة الله.

كانت أمي، رحمها الله، الحضن الدافئ الذي أرتمي فيه لأنسى هموم الدنيا، وأشعر أنني ما زلت طفلًا لا يمسه سوء. كانت الحضن الدافئ الذي ألجأ إليه كلما ضاقت بي السبل. لم أكن بحاجة إلى تبرير حزني أو شرح مخاوفي، فبمجرد أن ألجأ إليها، يتلاشى كل التعب.

تميزت أمي، رحمها الله، بالطيبة والحنية والرحمة والتسامح وحب الجميع. كانت عونًا للكثير من أهل القرية، تقف دائمًا بجانبهم في الأوقات الصعبة والأزمات، ولم تكن تكسر بخاطر أحد حين يطلب منها المساعدة.

اليوم، وبعد رحيل أمي، رحمها الله، حدث تغير، وكل شيء تغير. لا يوجد معنى للدنيا، وأصبحت تفاصيل الحياة مملة باردة، لا معنى ولا قيمة لها، حيث أصبح نهار اليوم كليله، كلاهما متشابهان ظلامًا.

اليوم، لم يعد هناك من ينتظرني كما كانت تنتظر، ولا من يسأل عني كما كانت تسأل، ولا من يحن كما تحن، ولا من يحب كما كانت تحب… اليوم رحل الحب والحنان والحضن رغمًا عني. أنا لا أريد ذلك، أو ربما لست قادرًا على التأقلم مع هذا الوضع وهذا المتغير الجديد، لكن ليس لدي خيار آخر غير أن أرضى بقضاء الله وقدره.

ارتبطت بقرية «الحيبة»، غرب النيل جنوب محافظة بني سويف، التي نشأت فيها بأمي، رحمها الله، تلك القرية التي لها سحر خاص لا يشبه أي مكان آخر. ففي هذه القرية عشت أجمل سنين حياتي بفضل وجود أمي بها، ونشأت وترعرعت وسط الطبيعة الخضراء والحقول الواسعة والهواء النقي.

كانت الحياة في القرية هادئة وبسيطة، تعلمت منها معنى القناعة والاعتماد على النفس وقرب الناس من بعضهم. يعرفون بعضهم بعضًا، ويتشاركون أفراحهم وأحزانهم. فأهل القرية من أطيب الناس وأكرمهم، قلوبهم بسيطة ونواياهم صافية. تجد بينهم المحبة والتعاون، فإذا كان عند أحدهم فرح، فرحوا معه، وإذا أصابه حزن، حزنوا معه، ووقفوا بجانبه وساعدوه بما يستطيعون. الضيف عندهم له مكانة كبيرة، وإكرام الضيف عادة متأصلة فيهم، والكلمة الطيبة عندهم لها قيمة كبيرة.

تعلمت منذ نشأتي في قرية «زرابي الحيبة» على يد الوالدين، رحمهما الله، احترام الكبير، ومساعدة المحتاج، وتقدير الجار، والوقوف بجانب الأهل والأصدقاء. كما تعلمت أن السعادة ليست في كثرة المال أو امتلاك الأشياء، وإنما في راحة القلب، ووجود أشخاص يحبوننا بصدق، وحياة بسيطة مليئة بالمودة.

في القرية عشت أجمل ذكريات الطفولة، حيث اللعب مع الأصدقاء بين «الغيطان»، والجلوس مع الأهل في المساء، ورائحة الخبز والطعام البيتي، وصوت الطيور في الصباح. كلها ذكريات تظل محفورة في الوجدان.

أجمل ما تمنحه النشأة الريفية أننا نكبر ونحن نعرف قيمة الإنسان، ونقدر الكبير، ونحافظ على صلة الرحم والجيرة. فمهما تغيرت الحياة وكبرنا وابتعدنا، تبقى طيبة أهل الريف وبساطة حياتهم ودفء ذكرياتهم شيئًا لا يُنسى.

تظل النشأة الريفية مدرسة للحياة، تعلمنا أن الطيبة ليست ضعفًا، وأن الكرم ليس له ثمن، وأن أجمل ما يملكه الإنسان قلبه الطيب وعلاقته الطيبة بمن حوله. ولذلك تبقى ذكريات الريف وأهله الطيبين محفورة في القلب مهما ابتعدنا عنهم. ومهما مرت السنوات، ومهما عشنا في عاصمة التحضر، القاهرة، وسط مبانيها التاريخية الساحرة ونطاحات سحابها، فإن النشأة الريفية تظل جزءًا جميلًا من حياتنا.

نعلم جميعًا بأن الموت يأتي فجأة، بدون مقدمات وبدون سابق إنذار، مفرقًا بين الأهل والأحبة، بين الطفل وأمه، وبين الابن وأبيه. أحيانًا لا يحزننا حدث الموت لأنه قدر وحقيقة حتمية وطريق، مهما طال، لا بد من نهايته، ولكن يحزننا فراق الأحبة بدون وداع.

تحزننا كل الأفعال الجميلة التي أُجلت للغد، وكل المقابلات واللقاءات التي لم يُكتب لها أن تتم. فتتملكنا الأحزان على كل حدث وفعل مؤجل، ونتوه بين ألم الفراق والاشتياق. فيأخذنا الحنين إلى الماضي بكل تفاصيله وأحداثه الجميلة، لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع التخلص من حقيقة الحاضر المؤلمة، الحاضر بمشاعره التائهة التي تبحث عن عناق لا يمكن أن يحدث.

في النهاية، لا أجد سوى كلمات الكاتب والروائي غسان كنفاني: «إنني لا أملك شيئًا ثمينًا سوى أمي.. أمي هي روحي، هي نبض قلبي، هي حلاوة الدنيا، بدونها لا أنا، لا شيء. مهما قلت ومهما فعلت لن أوفيك حقك».

«وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا».

صدق الله العظيم.

شارك

اقرأ أيضًا

شارك

الأكثر قراءة

IMG_20260909_113845
من جيوب الإيرانيين إلى طاولة ترامب.. هل تنجح العقوبات في إسقاط النظام؟
الانتخابات
دعوى أمام مجلس الدولة تطعن على رسوم التقاضي عن بُعد وتتهم وزارة العدل بمخالفة الدستور
عصام سلامة
هندسة الوعي.. خطورة الاعتياد العربي على الدمار وهدم الدول والاحتلال
IMG_3117
شهادة على الرف وشغلانة تانية للمعيشة.. هكذا يعيش معظم شباب مصر

أقرأ أيضًا

قطع الأشجار
"تخضير القاهرة" أم تصحيرها.. من المسؤول عن مجازر الأشجار؟
أخبار الطقس اليوم
استمرار الارتفاع بدرجات الحرارة.. تفاصيل حالة الطقس اليوم الأربعاء
5fc1c4bc-e462-47c0-8a8a-30997e5a6c76
من الأهرامات إلى عيد الربيع.. مصر تفتح ذراعيها للسائح الصيني
ab7c0771-9601-4df8-9399-90d26e55a91b
حمادة إمام يكشف: “حكاية اعتماد حافظ.. الشهيرة باعتماد خورشيد”