بمرور منتصف الشهر، لا يتبقى أمام أسرة مصرية مكونة من خمسة أفراد سوى البحث عن مصدر دخل إضافي، بعدما ينفد راتب الأب والأم، العاملين في مؤسستين حكوميتين، والبالغ إجماليه نحو 15 ألف جنيه، بين نفقات الطعام والشراب والملابس والتعليم والصحة والإيجار والفواتير الأساسية. يضطر الأب إلى البحث عن عمل باليومية، محاولًا توفير ما يمكن من المال لتغطية الضروريات، والحفاظ على قدرة أسرته على مواجهة أعباء المعيشة.
لا تتوقف معاناة الأسرة بحسب حديثها لـ”القصة” عند ارتفاع أسعار السلع، بل تمتد إلى صعوبة التوفيق بين الاحتياجات الأساسية ومتطلبات تعليم ثلاثة أبناء في مراحل دراسية مختلفة، في وقت لا يكفي فيه دخل الوالدين لاستكمال الشهر.
وبينما يبحث الأب عن عمل إضافي لتدبير نفقات أسرته، تستعد الحكومة لاستعراض ما تعتبره إنجازات في مختلف المجالات خلال منتدى مصر 2026.
وفي الوقت الذي تستعرض فيه الحكومة إنجازاتها، لا يعرف قطاع عريض من المواطنين كيف يغطون تكلفة أساسيات معيشتهم الشهرية، وتستمر معاناة مئات الأسر في مجابهة الغلاء والتضخم الذي يستفحل في مقابل ضعف الدخل وثباته.
آخر بيانات رسمية منشورة عن حجم التضخم في مصر تختص بشهر سبتمبر الماضي، صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، والبنك المركزي المصري، وتوضح أن التضخم السنوي بلغ 12.8%، بينما بلغ التضخم الشهري 1.5%. وتركزت زيادة الأسعار على الأطعمة والمشروبات بنسبة 3.2%
يقول أحمد فرغلي، عضو مجلس النواب، إنه ليس لديه تصور عما ستناقشه الحكومة في منتدى مصر إلا من خلال ما يقال عن إنها ستستعرض إنجازاتها.
ويضيف فرغلي، في تصريحات خاصة لـ “القصة”، أنه من وجهة نظر الحكومة فإن هناك إنجازات لها في الملف الاقتصادي. مشيرا إلى أن الحكومة ستعرض أرقاما لكنها في الحقيقة ليس لها ظهير على أرض الواقع.
وتابع: “الأرقام التي تعلنها الحكومة مغايرة لواقع الشارع، سواء بالنسبة لشكل الموازنة أو سد العجز أو أرقام الموازنة، أو حجم الدين الخارجي، أو بالنسبة لأنها أكبر موازنات في تاريخ مصر مع الناتج القومي”. لافتا إلى أن وجهة نظره في المنتدى سوف تتكون بعد متابعته لأعماله وليس الآن.
ويؤكد فرغلي على أنه لن يشارك في المنتدى، موضحا: “كل من يشارك أو يسجل لن يكون سوى مستمع، فالحكومة ستعرض ما انتهت إليه، ومن المؤكد أنها ستتحدث عن التحديات والأزمات الخارجية التي أثرت على شكل الموازنة، وعموما لن نتحدث في أي شيء بشكل قطعي إلا عقب المنتدى”.
وفي دراسة سابقة لمركز العدل لدراسات السياسيات العامة التابع لحزب العدل، أكدت أن تكلفة معيشة الأسرة المصرية المرجعية المكونة من 4 أفراد تحتاج إلى نحو 31 ألفًا و784 جنيهًا شهريًا لتغطية سلة المعيشة، وفق السيناريو الأوسط، بما يعادل نحو 1,059 جنيهًا يوميًا للأسرة.
يأتي ذلك بينما يؤكد مصدر لـ”القصة” أن معدل الفقر الذي أعلنته الجهات الرسمية أواخر 2020 تضاعف في السنوات الأخيرة. ويتابع: “قبل 6 سنوات كان معدل الفقر في مصر 29.7%، وارتفع تدريجيا ولكن بقفزات خلال الثلاث سنوات التالية حتى بلغ 45%، ووصل في العام الجاري 2026 إلى 66%، وهو ما يؤكده البنك الدولي”.
ويوضح المصدر أن الحد الأدنى للأجور في الحكومة المقدر بـ8000 جنيها، وفي القطاع الخاص 7000، لا يضاهي الزيادات المطردة في الاسعار. مشيرا إلى أنه إذا ظلت الرواتب كما هي دون زيادة لمدة عام، وارتفعت الأسعار بالمعدل السنوي البالغ 13.9%، فإت القوة الشرائية للراتب تتراجع بنحو 12.2% مقارنة بالعام الماضي.
تشير تقارير البنك الدولي إلى أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر العالمي في مصر تصل إلى نحو 66% وفقاً لمقاييس القوة الشرائية الحديثة، اعتمادا على مستويات الدخل اليومية لعموم المصريين.
ويقول زهدي الشامي، القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، إنه لم يعثر على ما يدل على اهتمام منتدى مصر بمناقشة الملفات السياسية ولا الإصلاح السياسى، وإنه رغم أن الأمر يبدو متعلقا أكثر بالجانب الاقتصادى أو حتى الخدمى فلا أمل لديَّ في مناقشة تلك الأمور بشكل حقيقي بنَّاء، يستطيع الشعب الحصول على مكتسبات من خلاله.
ويشير الشامي إلى أنه ليس متفائلا عموما بمنتدى مصر، فرغم الدعوة له على نطاق واسع فإن تلك الدعوة صدرت أساسا من منطق إبراز انجازات الحكومة للشعب، وبالتالي فهى بدت منذ البداية أقل جدية من حوارات أخرى سابقة، أهمها الحوار الوطني، لم تسفر فى حد ذاتها عن أى نتائج مفيدة.
ويضيف: “المشكلة تكمن فى فلسفة تلك الحوارات والمنتديات، فهل تنطلق من اقتناع حقيقى بوجود مشكلات أو أزمات تعانى منها البلد ونحتاج لمعالجتها وتجاوزها؟ أم من منطلق الترويج لما هو موجود؟”. وتابع: “أعتقد أن السائد هو المنطلق الأخير، خصوصا فى المنتدى الجديد، فعلى الأقل فى الحوار الوطنى كان هناك نوع من التمثيل لأحزاب سياسية، ولكن أغرقوه وسط فيض الموالاة، لكن اليوم الموضوع هلامى بدرجة أكبر”.
ويشير الشامي إلى أن المسئولين عن المنتدى أعلنوا عن تسجيل ٦١ ألف شخص سيتم اختيار ٨٥٠٠ شخص منهم للمشاركة، متسائلا: “فما هى المعايير؟”. ويؤكد أنها غير واضحة، والظاهر أنها اختيارات حكومية.
ويؤكد الشامي أن هناك تساؤلات أخرى تحتاج إجابة، مثل: “كيف سيتناقش كل هؤلاء؟ وكيف ستتم بلورة الاستنتاجات؟ وهل سيتم الأخذ بأي آراء من المشاركين؟”، مؤكدا أن هلامية الأمور وعدم وجود أجوبة واضحة للتساؤلات تجعل الأمر أقرب لمجرد استعراض كبير.