لا تبدأ العقوبات الأمريكي على إيران من الشارع الإيراني، لكنها تنتهي إليه قرار يصدر في واشنطن قد يبدو في ظاهره موجها إلى بنك أو شركة نفط أو مسؤول، لكن أثره يمكن أن يصل إلى متجر صغير، أو مصنع يبحث عن مواد خام، أو أسرة تحاول تدبير احتياجاتها وسط ارتفاع تكاليف المعيشة.
هذه هي المساحة التي تراهن عليها واشنطن في مواجهتها مع طهران: الضغط على الاقتصاد، ثم انتظار أن يتحول الضغط إلى غضب داخلي يضع النظام أمام اختبار سياسي، لكن الإيرانيين عاشوا هذه التجربة أكثر من مرة.
فعلى مدار عقود، تعرض الاقتصاد الإيراني لموجات متتالية من العقوبات الأمريكية، ومع ذلك لم تؤدي الضغوط الاقتصادية وحدها إلى إسقاط النظام، وبينما أضعفت العقوبات الاقتصاد وضيقت حركة التجارة والتمويل، طورت طهران في المقابل طرقًا للتعامل معها، ووسعت علاقاتها مع دول مثل الصين وروسيا.
وهنا يظهر السؤال الذي يحدد مستقبل سياسة “الضغط الأقصى”: هل يمكن لاقتصاد منهك أن يتحول إلى قوة تدفع الإيرانيين ضد النظام، أم أن استمرار المواجهة مع واشنطن يجعل العقوبات نفسها جزءًا من رواية النظام عن الخطر الخارجي؟
العقوبات تصل إلى حياة الإيرانيين
لا تتوقف آثار العقوبات عند المؤسسات الحكومية أو القطاعات الاقتصادية الكبرى، إذ تتحول الضغوط الاقتصادية في النهاية إلى أعباء يتحملها المواطن. ارتفاع كلفة السلع والخدمات، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة التعاملات التجارية والمالية كلها تجعل الاقتصاد جزءًا أساسيًا من المواجهة بين واشنطن وطهران.
وتعتمد استراتيجية الضغط الأمريكية على فكرة أن إضعاف الاقتصاد يمكن أن يقلص قدرة النظام على إدارة الدولة وتمويل سياساته، وفي الوقت نفسه يزيد الاستياء الداخلي، لكن المشكلة تكمن في أن التأثير الاقتصادي لا يتحول بالضرورة إلى موقف سياسي واحد.
الدكتور طارق البرديسي أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية يسرد لـ”القصة”، أن واشنطن تحاول استخدام الضغط الاقتصادي كوسيلة لإجبار إيران على الاستسلام، لكن نجاح هذه الاستراتيجية يظل محل شك، لأن طهران لا تواجه العقوبات باعتبارها دولة معزولة تمامًا، وإنما تمتلك علاقات دولية وإقليمية تمنحها مساحات للحركة.
47 عامًا من العقوبات.. ماذا تغير؟
وقال البرديسي، إن التاريخ الإيراني مع العقوبات يقدم اختبارًا مهمًا للرهان الأمريكي الحالي فالتضييق والعقوبات استمرا على مدى عقود، ولم يؤديا إلى النتيجة التي افترضتها واشنطن في مراحل مختلفة من المواجهة.
المشكلة في الرهان على الأزمة الاقتصادية
وفق هذا التحليل، هي افتراض أن الضغوط على المعيشة ستنتقل تلقائيًا إلى الشارع، ثم تتحول الاحتجاجات إلى ضغط سياسي يؤدي إلى تغيير موقف النظام، لكن التجربة الإيرانية لا تؤكد أن العلاقة بهذه البساطة
فكلما ارتفع مستوى الضغط الخارجي، يمكن أن يتغير تفسير الشارع للأزمة نفسها، وبدلًا من النظر إلى الصعوبات الاقتصادية باعتبارها نتيجة لسياسات النظام وحدها، يمكن أن يربطها جزء من الإيرانيين بالعقوبات والعدوان الأمريكي، وهو ما يدفع إلى الالتفاف حول الدولة بدلًا من مواجهتها.
الصين وروسيا تمنحان طهران مساحة للمناورة
تواجه واشنطن صعوبة إضافية في محاولة عزل إيران اقتصاديًا بشكل كامل، فطهران لديها علاقات مع دول لا تتبنى العقوبات الأمريكية، وعلى رأسها الصين وروسيا، وهو ما يوفر لها منافذ يمكن من خلالها تخفيف جزء من آثار الحصار.
ويشير الدكتور طارق البرديسي إلى أن حجم إيران وموقعها الجغرافي وعلاقاتها الخارجية تجعل التعامل معها باعتبارها دولة يمكن عزلها بسهولة أمرًا غير واقعي، فالدولة الإيرانية تمتلك حدودًا مع عدد من الدول، ولديها شبكة علاقات تسمح لها بالبحث عن بدائل أمام القيود الأمريكية
وهنا تتحول العقوبات إلى معركة استنزاف متبادلة، فواشنطن تستطيع زيادة الضغط، لكن طهران تستطيع في المقابل البحث عن طرق للالتفاف عليه، ما يجعل الوصول إلى لحظة الانهيار الاقتصادي والسياسي الذي تراهن عليه الولايات المتحدة أكثر تعقيدًا.
هل يدفع الضغط الأمريكي الإيرانيين إلى الشارع؟
واضاف البرديسي أن واشنطن تراهن على أن تدهور الأوضاع الاقتصادية يمكن أن ينتج ضغطًا سياسيًا داخليًا، لكن التاريخ الإيراني يقدم صورة أكثر تعقيدًا فوجود أزمة اقتصادية لا يعني بالضرورة أن المجتمع سيتحرك ضد النظام، خصوصًا عندما يرى جزء من الشارع أن مصدر الضغط يأتي من الخارج.
ويرى البرديسي أن الإيرانيين يمكن أن ينظروا إلى العقوبات والضربات الأمريكية باعتبارها عدوانًا يستهدف الدولة، وهو ما يجعل الاستجابة الشعبية مختلفة عن السيناريو الذي تفترضه واشنطن، ففي أوقات المواجهة الخارجية، يمكن أن يتحول الضغط الخارجي إلى عامل يدفع قطاعات من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة بدلًا من الانقسام ضدها.
وبذلك لا يصبح السؤال فقط إلى أي مدى يستطيع الاقتصاد الإيراني تحمل العقوبات؟ وإنما أيضًا،كيف يفسر الإيرانيون هذه الأزمة، ومن يحملونه مسؤوليتها؟ فالإجابة عن هذا السؤال تحدد ما إذا كانت العقوبات ستتحول إلى أداة ضغط سياسي على النظام أم إلى عامل إضافي لتعزيز التماسك الداخلي.
ماذا تبقى أمام ترامب بعد استنفاد أدوات الضغط؟
استخدم ترامب تقريبًا معظم أدوات الضغط المتاحة أمامه، من العقوبات والتضييق الاقتصادي إلى التهديدات العسكرية والضربات المباشرة والحصار وتشديد القيود على حركة الاقتصاد الإيراني.
ويقول البرديسي، إن ترامب “استخدم كل الضغوط”، بما يشمل العقوبات والضغط الاقتصادي والحصار البحري والضربات العسكرية، وهو ما يجعل السؤال عن الخطوة التالية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فإذا كانت العقوبات لم تُسقط النظام، والضغط الاقتصادي لم يدفع إيران إلى الاستسلام، والضربات العسكرية لم تحسم المواجهة، فإن الانتقال إلى مستوى جديد من التصعيد يحمل مخاطر أكبر على الولايات المتحدة وإيران والمنطقة.
وفي النهاية، لا تختبر واشنطن قدرة العقوبات على إضعاف الاقتصاد الإيراني فقط، وإنما تختبر قدرتها على تحويل هذا الضعف الاقتصادي إلى تغيير سياسي، وحتى الآن، لا يبدو التاريخ الإيراني كافيًا لإثبات أن المعادلة تعمل بهذه البساطة فإيران التي واجهت العقوبات لعقود لا تزال تمتلك أدوات للمناورة، بينما يمكن للضغط الخارجي، بدلًا من إسقاط النظام، أن يدفع قطاعات من المجتمع إلى التعامل معه باعتباره طرفًا في مواجهة عدوان خارجي.