في الوقت الذي تسعى فيه آلة الحرب إلى تسوية التاريخ والجغرافيا بالأرض في قطاع غزة، يقف المواطن السبعيني “عمر السقا” وسط مدينة دير البلح كحارس للذاكرة وجذور الأرض من قلب المعاناة والموت المتربص، افتتح السقا معرضاً فريداً للأثواب التراثية الفلسطينية، حاملاً بين طياته حكايات تمتد لعقود، تحدت النكبة والنزوح لتقول للعالم: “هنا شعب يملك تاريخاً لا يقبل المحو”.
أثواب عمرها 70 عاماً.. تاريخ يعبر الأجيال
بين زوايا المعرض المرتجل وسط الخيام والبيوت المهدمة، تفوح رائحة الميرمية والزعتر من ثنايا أثواب مطرزة بالخيوط الحريرية القانية يقول عمر السقا لـ”القصة” مختصراً حديثه وعيناه تفيضان بالفخر والحسرة معاً: “أحتفظ بأثواب يمتد عمرها لأكثر من 70 عاماً، ورثتها أجيال عن أجيال، هذا الثوب ليس مجرد قطعة قماش، هو وثيقة ملكيتنا لهذه الأرض، وهو الهوية التي يحاول الاحتلال سرقتها و طمسها في كل حرب”.
من تحت الركام وفي خيام المواصي.. ولادة جديدة للتطريز
المبهر في معرض السقا ليس فقط قدم هذه الأثواب، بل القصص السريالية والملحمية التي مرت بها لتصل إلى هذا المعرض. فبعض الأثواب المعروضة جمعت قِطعها وجرى تطريزها وصناعتها بالكامل داخل خيام النزوح القاسية في منطقة “مواصي خان يونس” و”رفح”، بأيدي نساء نازحات يرفضن الاستسلام.
والأكثر قسوة وإثارة للدهشة، أن هناك أثواباً في المعرض تحمل غباراً و شروخاً، بعد أن جرى “انتشالها من تحت ركام المنازل المستهدفة” لقد أخرجها أصحابها من تحت أطنان الأسمنت قبل غنائمهم الشخصية الأخرى، لأنهم يدركون أن “الثوب الفلسطيني” هو الروح التي إذا ماتت، ماتت القضية.
التطريز كفعل مقاومة
يتحول المعرض في دير البلح من حدث تراثي تقليدي إلى جبهة مواجهة ثقافية حقيقية، فكل غرزة “قطبة” فلسطينية في هذه الأثواب (مثل عرق التوت، أو نقشة يافا) تمثل بلدة هجر أهلها، وتؤكد على استمرارية الحكاية الفلسطينية، النازحون الذين يزورون المعرض يجدون فيه مساحة للتنفس واستعادة الذات فحين يلمسون أثواب أمهاتهم و جداتهم، يدركون أن الدمار الحالي ما هو إلا فصل عابر في تاريخ صمودهم الطويل.
إن معرض عمر السقا هو رسالة بصرية حادة للعالم، غزة التي تقصف و تجوع، هي ذاتها غزة التي تنفض الغبار عن أثوابها السبعينية، لترتدي هويتها وتعلن بكل كبرياء: “باقون ما بقي الزعتر والزيتون.. وما بقيت خيوط حريرنا حية”.
