وبضدها تتمايز الأشياء، لذلك لست سعيدا أبدا بفض أو توقف حركة “علمانيون”، رغم اختلافي الجذري مع معظم الأفكار التي يطرحها صناعها أو يروجون لها.
سواء كانت تلك الأفكار نابعة من قناعة شخصية، أو مجرد إعادة تدوير لأفكار مستوردة يتم الترويج لها بالوكالة عن أصحابها الأصليين، فإن وجودها في المشهد كان يخلق حالة من الجدل والحراك الفكري الذي لا يمكن إنكاره. لا يهم كثيرا إن كان توقف الحركة بسبب إفلاس مادي كما يردد أصحابها، أو نتيجة إفلاس فكري بعد أن لفظها الشارع ورفض جمهور الناس خطابها، فالأهم أن وجودها كان يمثل حالة من الاستفزاز الفكري الذي يدفع الطرف الآخر إلى إعادة قراءة أفكاره وترتيب حججه والتمسك بثوابته.
فكم من متدين عادي، أو حتى “سوبر متدين”، وجد نفسه مضطرا للرد على تلك الطروحات عبر النقاش والتفنيد والنقد، مستندا إلى تعاليم الدين وما طرحه السلف الصالح من رؤى وأفكار مضادة. في النهاية، المجتمعات الحية لا تتحرك بالصوت الواحد، بل بالتفاعل والاختلاف والجدل.
وربما كانت قيمة هذه الحركات، رغم رفض كثيرين لها، أنها تخرج الناس من حالة السكون الفكري، وتجبرهم على التفكير والسؤال والبحث. فالأفكار لا تواجه بالمنع وحده، وإنما بالفكرة الأقوى والحجة الأعمق، كما أن الفارق بين الجدل الفكري والفوضى، أن الأولى تظل داخل مساحة الحوار مهما اشتدت، بينما الثانية تهدم كل شيء. ولعل ما ميز هذه الحركة، رغم كل الاعتراضات عليها، أنها لم تكن حركة عنيفة في سلوكها أو ممارساتها، بل كانت تراهن على “زغزغة” العقول وإثارة الأسئلة، وهو أمر يظل في كل الأحوال أفضل من الصمت الكامل أو التصحر الفكري.
لذلك، أطالب أهل الحركة وأنصارها، إن كان لا يزال لها أنصار، بالتكاتف من أجل عودتها مرة أخرى إلى الحياة، خاصة إذا كانت تلك الأفكار أصيلة بالنسبة لهم وتمثل قناعة حقيقية يدافعون عنها بإيمان فكري كامل، لا مجرد موجة عابرة أو “بيزنس” ثقافي مؤقت. أما إذا كانت المسألة في حقيقتها مجرد تجارة فكرية انتهى موسمها، وأفلست أدواتها، وبارت منتجاتها في سوق الجمهور، فحينها يكون اختفاؤها أمرا طبيعيا لا يستحق كل هذا الجدل.
حزن الختام:
“ازين فصوصك وابلبع فصوصك
ويعجبني صوصك..
انضف واعوصك
واترجم نصوصك لكل اللغات
واسايسك وابوسك..
واصاحب لصوصك
عشان بس اسوسك..
والملم في سوسك
وابعتر فلوسك على الرقاصات”