يتبقى لمي. ح، أخصائية اجتماعية بإحدى مدارس التعليم الأساسي، نحو 3 آلاف جنيه من راتبها الشهري البالغ 6 آلاف جنيه، بعدما تنفق النصف الآخر تقريبًا على تعليم ابنها في الصف الأول بنظام البكالوريا، بين تكلفة المواصلات والوجبة اليومية ومصروفات الدروس الخصوصية، يتحول تعليم ابنها إلى عبء يلتهم نصف دخلها، بينما لا ترى في الاستغناء عن أي من هذه النفقات خيارًا متاحًا.
تدفع مي نحو ألف جنيه شهريًا مقابل انتقال ابنها إلى المدرسة وعودته منها، بخلاف مصروفات الدروس التي تبلغ ألفي جنيه، دون احتساب تكلفة المواصلات من وإلى الدروس، وتجد نفسها أمام معادلة صعبة: الالتزام بمصروفات التعليم التي تفرضها متطلبات الدراسة، ومحاولة تدبير احتياجات المنزل بما تبقى من راتبها.
تقول مي إن الذهاب إلى المدرسة لم يعد كافيًا لضمان التحصيل الدراسي، في ظل اعتماد ابنها على الدروس الخصوصية، بينما تفرض قواعد الحضور المدرسي التزامًا يوميًا لا تستطيع تجاهله، وبين متطلبات المدرسة وتكاليف الدروس، يبقى السؤال الذي يشغلها مع نهاية كل شهر: كيف يمكنها الوفاء بكل هذه النفقات دون أن تضطر إلى الاستدانة أو التخلي عن احتياجات أساسية؟
لا تبدو أزمة مي حالة منفصلة عن واقع أوسع تواجهه الأسر المصرية، إذ تكشف أحدث نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2019/2020 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، حجم التكلفة التي تتحملها الأسر المصرية لتعليم أبنائها، رغم مجانية التعليم المعلنة، ووفقًا لنتائج البحث، بلغ إجمالي إنفاق الأسر المصرية التي لديها أفراد في مراحل التعليم على قطاع التعليم وملحقاته نحو 482 مليارًا و247 مليون جنيه سنويًا، فيما بلغ متوسط إنفاق الأسرة الواحدة على التعليم نحو 18 ألفًا و549 جنيهًا سنويًا.
ولا تنتهي الأزمة عند أبواب المدارس؛ فبعد سنوات الدراسة، يواجه الشباب تحديًا آخر يتمثل في العثور على فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهم وتوفر دخلًا يسمح لهم ببدء حياتهم، وهكذا تجد الأسر نفسها أمام عبئين متصلين: تكلفة تعليم تتزايد متطلباتها، ومستقبل مهني لا تضمن فيه الشهادة وحدها فرصة عمل أو حياة مستقرة.
. أحمد فؤاد، 34 عامًا، حاصل على ليسانس آداب، لم يجد بعد تخرجه فرصة تتناسب مع مؤهله، فقرر ألا ينتظر طويلًا، واتجه إلى العمل في بعض سلاسل السوبر ماركت الشهيرة، ثم انتقل إلى شركات الاتصالات، على أمل أن يجد لاحقًا وظيفة تحقق طموحاته.
لكن تجاربه في سوق العمل لم تمنحه الاستقرار الذي يبحث عنه؛ إذ يقول لـ«القصة» إن الوظائف التي التحق بها افتقرت إلى المعاملة اللائقة، ولم توفر رواتب تكفي حتى احتياجاته الأساسية. ويرى أن هناك فجوة بين ما يتلقاه الشباب خلال سنوات الدراسة وما يتطلبه سوق العمل، موضحًا أن بعض الوظائف المرتبطة بتخصصه تستلزم الحصول على دبلومات إضافية، بما يعنيه ذلك من سنوات أخرى من الدراسة وتكاليف جديدة، دون ضمان الحصول على فرصة مناسبة في النهاية.
ولا يقتصر الأمر على تجربته وحده، بحسب فؤاد، الذي يشير إلى أن عددًا من زملائه يواجهون المشكلة نفسها، فيما يتجه بعضهم إلى التفكير في السفر إلى الخارج بحثًا عن فرص أفضل. ويختصر واقعهم بالقول إن الأحلام تظل مؤجلة في غياب فرص العمل المناسبة، وحتى الوظائف المتاحة لا توفر رواتب تمكّن الشباب من تأسيس منزل وبناء أسرة، لتتحول الشهادة الجامعية من بوابة مأمولة للاستقرار إلى بداية رحلة جديدة من البحث والانتظار.
الحريري: اعتراف الحكومة بالأزمات بداية طريق الحل
ويرى السياسي هيثم الحريري، عضو مجلس النواب سابقا، أن البداية الصحيحة لحل الأزمات في مصر يكون باعتراف الحكومة بأوجه التقصير والأخطاء، والاستماع إلى المواطنين؛ “لأن المواطن هو صاحب المصلحة الأول، وتجربته المعيشية هي أحد أهم المعايير للحكم على نجاح السياسات أو إخفاقها. فلا يمكن الحديث عن نجاح اقتصادي أو اجتماعي بمعزل عن قدرة المواطن على تحمّل تكاليف المعيشة، أو شعوره بالأمان على مستقبله، أو تمتعه بحقوقه وحرياته”.
ويقول الحريري: “فمثلا، الحكم على فائدة «منتدى مصر» يتوقف على الهدف الحقيقي منه. فإذا كان المنتدى مجرد منصة لعرض الإنجازات وترديد الخطاب الرسمي، فسيكون ذلك حكمًا بالإعدام على دوره قبل أن يبدأ؛ لأننا لن نكون أمام حوار حقيقي، وإنما أمام خطاب أحادي لا يضيف جديدًا ولا يعالج المشكلات القائمة”.
ويضيف: “الأمر الآخر، وهو الأهم، أن تكون هناك إرادة سياسية حقيقية لدى الحكومة لمراجعة السياسات التي أثبتت نتائجها وجود خلل فيها. فمن غير المنطقي الاستمرار في اتباع السياسات نفسها، ثم انتظار نتائج مختلفة، بينما تتراكم أوجه الإخفاق وتتسع حالة الغضب وعدم الثقة لدى قطاعات من المواطنين”.
شعبان: التعليم أزمة كبرى ومنظومته فاشلة
ويقول أحمد بهاء شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي المصري، إن التعليم في مصر بات أحد أكبر أزماتها، وإن الحديث عن مجانية التعليم محض هراء، لأنها غير موجودة بالمرة، وانتهت منذ زمن.
ويضيف شعبان، في تصريحات خاصة، أن مجانية التعليم الحقيقية كانت في عهود سابقة، مشيرا إلى أن الطالب في الستينات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي لم يكن يتكلف شيء من أجل الحصول على شهادة عليا، على عكس ما يحدث الآن.
ويوضح شعبان: “كنت طالبا في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، أحد أعرق الكليات عموما، ومصروفات الدراسة لم تكن تذكر، وكنت أتسلم في الكلية كل مستلزمات الدراسة، ولا أحتاج لجلب أي شيء خارجي من احل الدراسة، على عكس الأيام الحالية التي أصبحت كلفة التعليم فيها لطالب واحد تهزم رب الاسرة، وربما تنهي راتبه بالكامل”.
ويردف: “مصروفات المدرسة التي يتم قيد الطالب على أساس دفعها أصبحت مقابل قيد الاسم والكتب المدرسية فقط. ويحتاج الطالب لاستمارات وتسديد مبالغ مالية إضافية في بعض المراحل من أجل دخول الامتحان. ثم يحتاج دروس خصوصية بسبب فشل منظومة التعليم في المدارس، والتي لها أسباب عديدة على رأسها ضعف رواتب المعلمين. كما يحتاج للكتب الخارجية لأن الكتب المدرسية لا تسمن ولا تغني من جوع. بالإضافة للعديد من الأدوات التي تعينه على الدراسة، والتي لا يستطيع الاستذكار دونها. كل هذه الأمور تثقل كاهل
وبينما تحاول الأسر القائمة أن تُعلِّم أبنائها، وتتنازل عن الكثير من متطلباتها من أجل الوفاء بتكاليف تعليمهم، بهدف الخروج إلى الحياة بشهادة، والبحث عن فرصة عمل لبناء مستقبلهم وحياتهم، يقف آلاف الشباب عاجزا عن العمل، مع تزايد نسبة البطالة، وانعدام الفرص التي تتناسب مع مؤهلاتهم.