بعد مرور أكثر من 15 عاما على غياب المجالس الشعبية المحلية، عاد ملف الإدارة المحلية إلى المشهد مجددا، بعد التوجيهات الرئاسية الأخيرة بالإسراع في استكمال مشروع قانون الإدارة المحلية، ما أعاد فتح أحد أبرز الاستحقاقات الدستورية المؤجلة منذ إقرار دستور 2014.
وبينما يواصل مجلس النواب مناقشاته لإعداد مشروع قانون جديد، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت هذه التحركات تمهيدا لإجراء أول انتخابات للمجالس المحلية منذ عام 2011، وما يمكن أن تمثله من عودة للرقابة الشعبية وتنشيط للحياة السياسية.
ترجع بداية غياب المجالس المحلية إلى عام 2011، بعد صدور المرسوم بقانون رقم 116 لسنة 2011 بحل المجالس الشعبية المحلية، ومنذ ذلك الحين لم تجر أي انتخابات جديدة، لتدار بعد ذلك المحافظات والمراكز والمدن والأحياء من خلال الأجهزة التنفيذية فقط، دون وجود مجالس منتخبة تمارس دورها الرقابي وتمثل المواطنين على المستوى المحلي.
ومع إقرار دستور 2014، أصبح إصدار قانون جديد للإدارة المحلية وإجراء انتخابات المجالس المحلية استحقاقا دستوريا، إلا أن مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة عام 2016 ظل حبيس المناقشات البرلمانية دون صدور نهائي، في ظل خلافات بشأن النظام الانتخابي، ونسب التمثيل الدستورية، وتوزيع الاختصاصات، وآليات تطبيق اللامركزية، فضلا عن اعتبار عدد من النواب أن المشروع لم يعد ملائمًا بعد المتغيرات التشريعية والإدارية والتنموية التي شهدتها الدولة خلال السنوات الأخيرة. فيما اتجه البرلمان إلى إعداد مشروع جديد بدلا من الاكتفاء بإدخال تعديلات على مشروع 2016.
كما شهد الملف خلال الأسابيع الأخيرة تحركًا جديدًا، بعدما وافقت لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب على تشكيل لجنة فرعية لإعادة صياغة مشروع القانون، برئاسة المستشار علاء الدين فؤاد، وعضوية ممثلين عن الحكومة والبرلمان والجهات المعنية والخبراء، كما بدأت اللجنة عقد جلسات استماع لمناقشة فلسفة القانون الجديد، وانتهت إلى تقسيم الملف إلى قانونين منفصلين، أحدهما ينظم الوحدات المحلية واختصاصاتها، والآخر ينظم انتخابات المجالس المحلية، في محاولة لتسريع إنجاز التشريع والوصول إلى صيغة توافقية، بالتزامن مع التوجيهات الأخيرة بالإسراع في استكمال القانون.
غياب المجالس المحلية
وفي هذا السياق، قال القيادي بالحزب المصري الديمقراطي أحمد فوزي في تصريحاته لـ “القصة”، إن غياب المجالس المحلية أثر بشكل مباشر على الحياة السياسية، معتبرًا أنها تمثل “مصنع إعداد الكوادر السياسية”، إذ تبدأ منها رحلة إعداد القيادات في مختلف دول العالم، بينما حرمت الأحزاب في مصر من هذه المساحة طوال السنوات الماضية.
وأضاف فوزي أن غيابها حمل أعضاء مجلس النواب أعباء خدمية كان من المفترض أن تقوم بها المجالس المحلية، ما جعل النائب ينشغل بمتابعة الخدمات اليومية على حساب دوره الأساسي في التشريع والرقابة، إلى جانب غياب الرقابة الشعبية على أداء المحافظين ورؤساء المدن والأحياء، وهو ما انعكس على كفاءة الإدارة المحلية.
كما أوضح فوزي أن الحديث عن إجراء انتخابات للمجالس المحلية تكرر خلال السنوات الماضية، إلا أن حسم هذا الملف يظل مرتبطًا أولا بخروج قانون الإدارة المحلية إلى النور، معربا عن أمله في أن تترجم التوجيهات الأخيرة إلى خطوات تنفيذية تسرع من إصدار القانون.
فرصة حقيقية لإنجاز القانون
فيما أكد النائب حسام الخشت في تصريحاته لـ “القصة”، أن التوجيهات الأخيرة تمثل فرصة حقيقية للإسراع في إنجاز القانون، مشيرًا إلى أن البرلمان بدأ بالفعل مناقشة الملف من خلال اللجنة الفرعية، إلا أن الأمر يتطلب أيضا استجابة سريعة من الحكومة، وتكثيف اجتماعات اللجنة للوصول إلى مسودة تحظى بتوافق سياسي.
وأضاف الخشت أن هناك إرادة سياسية لإجراء انتخابات محلية، وأن الفرصة أصبحت متاحة أمام الحكومة والبرلمان والأحزاب لإنجاز القانون، لافتًا إلى أن اللجنة لا تزال تناقش عددًا من النقاط، بينما لا يمثل ملف الكوتة محل خلاف باعتباره استحقاقًا دستوريًا يجب الالتزام به.
وأكد الخشت أننا أمام فرصة ذهبية يتوقف نجاحها على استجابة الحكومة وتوافق القوى السياسية، متوقعا أنه حال الانتهاء من القانون وتوافر الإرادة اللازمة، إمكانية إجراء انتخابات المجالس المحلية خلال عام 2027.
إشكاليات تشريعية
وقال المحامي ياسر سعد في تصريحاته لـ “القصة”، إن تأخر إصدار قانون الإدارة المحلية يعود في جزء منه إلى وجود إشكاليات تشريعية تتعلق بكيفية تطبيق نسب التمثيل المنصوص عليها في الدستور، لا سيما ما يتعلق بتمثيل المرأة والشباب وذوي الإعاقة والفئات الأخرى، موضحا أن الوصول إلى صيغة تحقق هذه النسب داخل المجالس المحلية كان من أبرز التحديات التي واجهت إعداد القانون.
وأضاف أن هناك أيضا اعتبارات سياسية صاحبت تأخر إصدار التشريع، معتبرًا أن انتخابات المجالس المحلية تختلف عن غيرها من الاستحقاقات الانتخابية، نظرًا لطبيعتها الواسعة وارتباطها المباشر بالشارع، وهو ما يجعل صياغة النظام الانتخابي، سواء من حيث القوائم أو النظام الفردي، من أكثر الملفات تعقيدا داخل مشروع القانون.
وأشار سعد إلى أنه لا تزال هناك تساؤلات حول الصيغة النهائية لمشروع القانون، لافتا إلى أن شكل النظام الانتخابي والتفاصيل المنظمة لانتخابات المجالس المحلية سيكون لها تأثير مباشر على آلية تشكيل هذه المجالس مستقبلا.
وأكد أن إقرار قانون الإدارة المحلية يمثل الخطوة الأساسية التي تسبق إجراء الانتخابات، موضحا أن القانون المنتظر يجب أن يتضمن تحديد موعد إجراء الانتخابات أو يضع إطارًا زمنيا يلزم السلطة التنفيذية بالدعوة إليها، خاصة في ظل عدم وجود مجالس محلية قائمة منذ عام 2011.