لم تصل إلى القاهرة في مطلع القرن العشرين واجهات جميلة أورسومات معمارية جاهزة، ولم تُنقل إليها ميادين باريس أو شوارع ميلانو أو قصور فيينا، فالعمارة لا تُستورد أو تسافر بل التيتُستورد أو تسافر هي الفكرة، يحملها الإنسان ثم تتحول على يديه إلى مبنى يعيش ويتفاعل مع المكان فإما تتوافق الفكرة وينجح غرسها في المكان فتتأصل وتتفاعل أو يلفظها المكان كالعضو المرفوض في جسد آدمي، وهكذا بدأت قصة جديدة في وسط البلد،لم تكن قصة انتقال طراز معماري من أوروبا إلى مصر، بل قصة انتقال أفكار ورؤى حملها معماريون ومهندسون وفنانون وجدوا في القاهرة مدينة مستعدة لأن تستمع إليهم، ثم تعيد صياغة ما جاءوا به في سياقها الخاص.
لم يكن المعماري الذي جاء إلى القاهرة يحمل في حقيبته رسومات لواجهات أو تفاصيل لشرفات فحسب، بل كان يحمل تصوراً عن المدينة الحديثة كما تبلور في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، فقد شهدت باريس بعد مشروع هوسمان، وفيينا مع شارع الرينغ، وميلانو وتورينو وروما وغيرها تحولات عميقة أعادت تعريف علاقة الإنسان بالشارع والميدان والواجهة والمبنى العام، ولم تكن العمارة في ذلك الوقت مجرد حرفة للبناء، بل أداة لتنظيم المدينة والتعبير عن مكانتها الاقتصادية والثقافية بل وحتى السياسية، وحين وصلت هذه الأفكار إلى القاهرة، لم تجد مدينة تبحث عن تقليد أوروبي، بل وجدت مدينة كانت تخوض مشروعها العمراني الخاص، وتبحث عن لغة معمارية قادرة على التعبير عنه، ومن هنا بدأ التفاعل بين الفكر الأوروبي والواقع المصري، لا بوصفه علاقة تابع بمتبوع، وإنما علاقة فكرة تبحث عن بيئة تستوعبها، ومدينة تبحث عن لغة تعبر بها عن طموحها.
لقد انتقلت أوروبا بمدينتها من مدينة عصر النهضة إلى مدينة الثورة الصناعية ثم خضعت لإصلاحات حضرية كبرى مثل ما قام به هوسمان في باريس أو رينج فيينا، حتى تأسست الأكاديميات المعمارية التي حولت العمارة من صنعة يتوارثها البناؤون إلى علم تصوغه المدارس الفكرية، لذلك عندما بدأ وفود المعماريين الأوروبيين إلى القاهرة، كانت وفادتهم تحمل طرق تفكير قبل أن تحمل طرق تصميم وبناء، لم يكونوا رسامي واجهات أو مهندسي مبانِ، بل كان المعماري وسيطاً ومترجماً حضارياً ينسج فكره في طابع مُعاش وواقع متجدد، فيعيد تفسير الفكرة قبل أن يعيد رسمها، ويصوغهافي واقع جديد دون أن يفقدها روحها أو يفرضها على المكان، ومن هنا لم تأتِ إلى القاهرة مبانٍ أوروبية، وإنما جاءت مدارس معمارية وتيارات فكرية مختلفة، حمل كل منها رؤية خاصة للمدينة والإنسان والجمال والوظيفة، لتبدأ في وسط البلد واحدة من أكثر التجارب المعمارية ثراءً وتنوعاً في تاريخ المدينة الحديثة.
كانت الفكرة المتصدرة المشهد أواخر القرن التاسع عشر هي ما يجب أن تعبر عنه المدينة من نظام وهيبة، وكانت تلك الفكرة وراء طرز الوزارات والمحاكم والبنوك والمؤسسات الكبرى، فلم تكن الأعمدة والتيجان هي التي تحكم تلك العمارة بل الفكرة وراء ذلك، تلك كانت النيوكلاسيك وهي آخر ما كان من العمارة الكلاسيكية، حتى حدث التحول الفكري الكبير مع مدرسة البوزار الفرنسية والتي رأت في المدينة عملاً فنياً متكاملاً، من الميدان إلى الشارع إلى المبنى الذي يأتي بالنهاية البصرية التي ترتبط بالوظيفة المعمارية، وربما كان ذلك سبباً في التكامل البصري لشوارع وسط البلد، في حين تأتي مجموعة من الطرز المختلفة المتداخلة لترسم طرزاً خاصة بوسط البلد في تناغم فريد، لنجد مثالاً متميزاً للمدرسة الانتقائية التي مزجت بين عمارة عصر النهضة مع الباروك مع الكلاسيكية المتأخرة أو النيوكلاسيك، ومع هذا الثراء في تنوع الطرز إلا أن هناك وحدة في المشهد العمراني والمعماري.
ويبدو أن الانتقائية في وسط البلد كانت أقرب إلى العفوية، في حين أراها مؤسسية مخططة في عمران وعمارة مصر الجديدة، وهنا أسوق ذلك المثال لكي أقرب الفكرة للقارئ، فقد ابتكر ألكسندر مارسيل طراز هليوبوليس الذي مزج بين العمارة المملوكية والفاطمية مع العمارة الغربية مع العمارة المغاربية في تناغم تفردت به ضاحية مصر الجديدة، ولنعد إلى وسط البلد بدأت مظاهر عمارة الآرت نوفو حيث بدأت تخرج من الإطار الحضري المتحفظ لعناصر المدينة السيادية إلى التعبير عن الإنسان والطبيعة وحركتهما لنجد ذلك في رسم الشرفات المنحنية والحديد المشغول على الواجهات والزخارف النباتية، ثم تذهب المدينة في ذلك الاتجاه مع تطور استعمالات مبانيها حيث تنتشر خلال الثلاثينات والاربعينات دور السينما والسيارات والإعلانات ومظاهر الحداثة المختلفة ليطل علينا الآرتديكو بتبسيط عناصر الواجهة مع خطوط أكثر جرأة وأكثر تهيؤاً لمستقبل سريع التطور.
والواقع أن انتقال هذه المدارس إلى القاهرة لم يكن انتقالاً زمنياًحاداً كما حدث في كثير من المدن الأوروبية، بل تعايشت جميعها في وسط البلد، فكان من الممكن أن تقف عمارة نيوكلاسيكية إلى جوار أخرى انتقائية وثالثة تميل إلى الآرت نوفو، دون أن يختل المشهد العام، لأن ما جمعها لم يكن الطراز بقدر ما كان المشروع الحضري الذي جاءت جميعها للتعبير عنه، ولذلك احتفظت الكلاسيكية المتأخرة بفكرة هيبة الدولة ونظامها، ورأت البوزار في المدينة عملاً فنياً متكاملاً، بينما جعلت الانتقائية من تنوع الطرز وسيلة لتأكيد الهوية لا لإلغائها، ثم جاءت الآرت نوفو لتحتفي بالإنسان والحرفة وجمال التفاصيل، قبل أن يعبر الآرت ديكو عن روح العصر وثقته بالمستقبل من خلال واجهات أكثر بساطة وجرأة ووضوح، وهكذا لم تكن عمارات وسط البلد متشابهة لكنها تتحدث لغة واحدة تختلف مفرداتها وتتفق رؤيتها، فهل تستطيع الآن أن تتلمس تلك المدارس بين عمارات وسط البلد؟ وأن تتأمل ذلك التداخل في تناغمه فتدرك كيف انصهرت الأفكار في وحدة عمرانية واحدة أصبحت شاهداً على واحدة من أروع مراحل التطور الحضري التي عرفتها القاهرة الحديثة.